إن العالم بعامة والعالم العربي بخاصة يواجه تحديات متشابكة لعل في مقدمتها تحدي العولمة.. وما فرضته من تحولات اقتصادية سريعة كان منها تحرير التجارة والأسواق.. وما كان من نواتجها من تحديات على فرص التنمية المستدامة.. فقد لعبت العولمة دوراً في التهميش الاجتماعي طال فئات واسعة من المجتمعات البشرية لعل النساء هن أول من طالهن هذا التهميش.

إن الحروب والنزاعات والاحتلالات والعنف والكوارث الطبيعية التي اجتاحت مناطق واسعة من العالم (ومنها المنطقة العربية) خلقت بؤراً للتوتر والفقر الفاحش.. بسبب ما نتج عنها من موجات للهجرة الواسعة التي شملت الملايين من البشر.. والتي شكل الأطفال والنساء الغالبية العظمى من ضحاياها.. كما تسببت في إفقار الملايين من البشر وطال الفقر والتهميش الغالبية العظمى من النساء وبات يطلق عليه «الفقر المؤنث» أو «تأنيث الفقر»®.

وتؤكد التقارير الدولية (وخاصة تلك المعلقة بأحوال التنمية والفقر والنساء) بأن حوالي ثلثي فقراء العالم من النساء.. حتى أن قمة الألفية التي انعقدت في نيويورك سبتمبر/ 2000 أعلنت التزامها بـ «تحرير المرأة من الفقر الذي يعاني منه أكثر من مليار نسمة) ( كما جاء في تقرير «مارك مالوش براون» مسؤول برنامج الأمم المتحدة).

إن هذه الأوضاع من التوتر وعدم الاستقرار وغياب الأمن وتدمير البنى الاقتصادية للمجتمعات تسببت في نشوء اقتصادات هشة لم تعد قادرة البتة على توليد فرص للعمل والتشغيل واستقطاب الاستثمارات.. فكانت النساء في مقدمة الضحايا الفاقدات لفرصهن في مثل تلك الاقتصادات والأسواق.. فضلاً عن أن العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والتراكمات التاريخية كانت قد لعبت دوراً في تحديد فرص الذكور والإناث في التعليم والمعرفة والتشغيل.. وفي التقسيم الجنسوي للعمل.

لقد طالت الحروب والنزاعات المنطقة العربية فلدينا اليوم ثلاثة أقطار ترزح تحت نير احتلالات متعددة الجنسيات، وترتب عليها هجرات واسعة إلى خارج تلك الأوطان المحتلة وفي داخلها.. هرباً من القتل والتدمير الهمجي والعشوائي الذي دمر معظم البني الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. حتى بات «فقر المرأة» في منطقتنا حقيقة ساطعة لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها.. (وقد أقرت التقارير العربية بازدياد أعداد الفقراء كما أقرت بأن النساء يشكلن الغالبية العظمى من فقراء الوطن العربي).

إذن نحن اليوم أمام حالة أطلق عليها اصطلاح «تأنيث الفقر»®. وهو مصطلح عرفته دراسة لمنظمة العمل الدولية بأنه «زيادة نسبة الفقر بين النساء عن مثيلتها بين الرجال»®. وأن «حدة فقر النساء أكبر مما هي بين الرجال»®.

وأما تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 1997.. فيعرف «تأنيث الفقر» بأنه «فرص أقل.. وعدم التكافؤ في فرص التعليم والعمالة وملكية الأصول»، ولكن هذا المصطلح يواجه اعتراضات وتأويلات منها ما هو منطقي ومنها ما هو إنكاري يقوم على إنكار وجود الظاهرة بالأساس.. على أن هناك دراسات موضوعية عديدة أجرتها مؤسسات مختلفة أكدت بأن مصطلح «تأنيث الفقر» لم يطلق عبثاً..

كما أكدت بأن النساء هن الأكثر حساسية للفقر.. وكشفت عن التباين الكبير بين الجنسين إذ تمثل النساء 65% من أميي العالم و70% من فقرائه الذين قدر عددهم في عام 1997 (أي قبل عقد من اليوم) بحوالي (3,1) مليار فقير.. كما أن هناك دراسات وتقارير توثق لارتفاع بلغ 50% في أعداد النساء الريفيات اللاتي يعشن في فقر شديد خلال العقدين الأخيرين.

أمام هذه الظروف والضغوط التي تفوق طاقة البشر اضطرت النساء إلى العمل في أعمال هامشية من أنشطة القطاع غير الرسمي في ظل ظروف صعبة ويوم عمل طويل دون التمتع بأي ضمانات قانونية أو بالتأمينات الاجتماعية.

لقد كان من نتائج ذلك كله اضطرار اليد العاملة النسائية للانخراط في الأعمال المؤقتة والموسمية.. والعمل في القطاعات غير المنظمة (ومعظمها غير مجاز رسميا)..

أو أن يعملن لحسابهن في أنشطة الكفاف بدأ من بائعات الخضار والسجائر والجرائد والسلع البسيطة.. مروراً بالعمل كخادمات في المنازل أو الفنادق والشركات، أو العمل داخل المنازل في الخياطة، والصناعات التجميعية أو الصناعات الغذائية المنزلية.... على أن جميع هؤلاء النسوة العاملات في القطاع غير النظامي.. إنما يعملن خارج إطار علاقات العمل الرسمية التي ينظمها القانون فضلا عن الحرمان الكامل من الحق في التنمية الإنسانية اللازمة للاستمرارية والتطور.

إن كل هذه الأعمال التي تشتغل بها النساء تمتاز بظروف عمل صعبة.. لا تتوافر فيها بيئة صحية للعمل ولا تأمين صحي ولا ضمانات اجتماعية.. وغالبا ما تكون علاقات الاستخدام لهؤلاء النسوة غير مستقرة أو غير واضحة.. ناهيك عن أن كل تلك الأعمال ذات أجور زهيدة جدّا وتكرس حالة الاستغلال القصوى..

فضلا عن التباين في الأجور بين النساء والرجال في الأعمال ذاتها.. إضافة إلى زيادة ساعات العمل إذ تقضي النساء ما بين (31 إلى 42 ساعة ) في عمل دون أجر مقارنة ب 15 ساعة للرجال.. مما يفسر مقولة «تهميش المرأة».

أما بالنسبة للمرأة العربية فإن الدراسات التي أجريت لمعرفة مدى مساهمة المرأة العربية في النشاط الاقتصادي والتنمية الشاملة تشير إلي أن نحو (60 %) من إجمالي الأيدي العاملة في الريف العربي من النساء يعملن في الزراعة وبدون أجر.

إن هذه الظروف مجتمعة ساهمت في تنامي تجارة الرقيق الأبيض..حيث تحول جسد المرأة (وكذلك الأطفال) إلى بضاعة يتم تداولها تحت إدارة وإشراف احتكارات دولية عابرة للقارات ذات لوبيات صاحبة نفوذ على المستوى الدولي، على أنه من المفارقات التي كشفت عنها العديد من الدراسات الموضوعية تفيد بأن «النساء ينفقن دخلهن (المتواضع) على رعاية أسرهن وتوفير الغذاء لها أكثر مما ينفقه الرجال..

كما أن دخلهن يوجه لتوفير الحاجات الأساسية لأطفالهن إذ كلما زاد دخل الأم قلت احتمالية أن يعاني أطفالها من الجوع وسوء التغذية والجهل.. أما الدراسات التي أجريت على المرأة العربية فقد كشفت عن أن ثلثي النساء العاملات في الوطن العربي يعملن تحت ضغط الظروف الاقتصادية لمعاونة أسرهن.

مما يعني أن المرأة لم تخرج لمجرد مزاحمة الرجل في سوق العمل أو منافسته في الحصول على مكانة اجتماعية متميزة وإنما بسبب ظروف اضطرارية دفعتها لطلب العمل وإعالة أسرتها بعد فقد العائل.. أو فقد مصادر الدخل والعيش.. أو تهرب رب الأسرة من العمل.. وركونه إلى الكسل واليد السفلى.. أو لانحرافه عن جادة الرشد.

خلاصة القول إن التردي الإنساني الذي تعيشه الكثير من المجتمعات كان من مخرجاته التفكك الأسري وغياب الأمن الاجتماعي للنساء مع تحميلهن المسؤولية عن هذا التدهور وما ترتب عليه من نتائج، أما المرأة العربية فإنها بدورها تعاني حالة غير مسبوقة من الفقر والتمييز والاستغلال.. تفاقمت كثيراً في ظل جملة من الحروب والاحتلالات.

. لقد باتت ظاهرة «تأنيث الفقر» ظاهرة حقيقية.. لا تعالج بالإنكار أو التبريرات الهروبية.. لا بد من مواجهتها باستراتيجيات جادة تقوم على: تعزيز الاستخدام الرشيد للقوى البشرية، وتمكين هذه القوى بالتدريب والتعليم والتنمية البشرية المتكاملة.. وبالتنظيم والحماية الاجتماعية.. وتوفير شبكات أمان مناسبة وتعزيز أنظمة دعم مرتكزة على الدولة والمجتمع كجزء لا يتجزأ من السياسة الاجتماعية.. صحيح أن الفقر ظاهرة اجتماعية ولكنه بالضرورة ليس قدرا محتوما.

كاتب أردني

jobeidat@gmail.com