إن مقياس تقدم الدول هو فكر متطور وتكنولوجيا متطورة وسياسات داخلية وخارجية مبنية على أسس ديمقراطية وأخلاقية، وقد وجدت الليبرالية والعلمانية والديمقراطية في الغرب، وطبقت عبر مئات السنين على مبدأ أساسي هو الحرية فهل هذا هو الواقع اليوم في الدول المتقدمة؟
ليس هناك بطبيعة الحال تجربة أو نموذج كامل ومن المؤكد في عالمنا المعاصر نجد دولا تطبق مفهوم الحرية بنسب متفاوتة، وحققت نجاحات في هذا المضمار لا شك في ذلك مثل الدول الأوروبية الغربية، لكننا نريد أن نتوقف عند النموذج الأميركي فهل أميركا دولة متقدمة وديمقراطية وتريد تحرر الشعوب وتعمل على تقدمها وتطبيق الديمقراطية فيها؟
إن الشباب العربي الذي ذهب إلى أميركا ودرس فيها مبهور بتطورها وديمقراطيتها، وعندما يعود إلى بلاده، ويعيش واقع السياسة الأميركية في العالم العربي والعالم الثالث يرى عكس النموذج الأميركي.
ويقر بما يسمع ويرى ولكن البعض يبرر ذلك بأن أميركا دولة عظمى ولها مصالح في العالم، وترسم سياساتها لتحقيق تلك المصالح ولكننا نحن في العالم العربي والعالم الثالث لا نعرف مصالحنا ولا نعرف كيف نتعامل مع أميركا!
هل هذه هي الحقيقة أم أن طرح مثل هذه التبريرات دليل على تسطيح المسألة وإبعاد الناس عن التفكير بالقضية الأساسية، وقد يكون في جانب من الصورة جهل بالفكر الاستراتيجي وقراءة سطحية عابرة لا تغوص إلى الأعماق ولا تفهم جذور المشكلة وأبعادها الحقيقية أن هناك فهماً خاطئاً سائداً لدى بعض سياسيي عالمنا العربي ومثقفيه حول النموذج الأميركي ودوره المعاصر، وهؤلاء يتهموننا بأننا نحن الذين لا نفهم هذا النموذج ودوره.
إن ثقافة هؤلاء السياسية المسطحة تجعلهم يعيشون في دائرة الفعل ورد الفعل، وفهموا خطأً بأن أميركا الليبرالية والحرية ستنقذهم من تخلفهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
ولنطرح طبيعة ممارسات النموذج الأميركي في العالم الثالث ونقيم تلك الممارسات لنكتشف مدى عدالتها وتقدمها خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي وأميركا بعد الحرب العالمية الثانية وخلال حوالي أربعة عقود كانت أميركا تحارب الشيوعية في العالم بوسائل مختلفة وضحايا حروبها من العالم الثالث لمنع انتشار الأفكار والتجارب الاشتراكية.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات من القرن العشرين كان لابد لأميركا ان تبحث عن عدو جديد لتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية في العالم كزعيمة للرأسمالية وللعولمة فدخلت في حروب لتفكيك وتجزئة عدد من الدول مثل يوغسلافيا وغيرها بحجة محاربة ما تبقى من الأنظمة الشمولية وإحلال الديمقراطية والحرية والتنمية في هذه البلدان وإحلال الديمقراطية والحربة والتنمية في هذه البلدان فهل فعلا تحقق لهذه الدول بعد التجزئة ما وعدت به أميركا من ديمقراطية حقيقية وحرية وتنمية؟
ومع بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ظهر عدو جديد اسمه الإرهاب، وبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بدأت أميركا حربها في أفغانستان وعينها على النفط والغاز في القوقاز، والمواقع الاستراتيجية في الشرق الأقصى، ثم خلق مثلث محور الشر العراق إيران كوريا الشمالية لمحاربة الأنظمة الشمولية المعادية لأميركا.
ولابد هنا من طرح نظرية المؤامرة نعم هناك مؤامرة فحتى تحقق أميركا أهدافها واستراتيجيتها تدفع بالأوضاع في بعض المناطق إلى التأزم حتى تتمكن من التدخل.
ومن ثم تثبيت وجودها العسكري والسياسي والاقتصادي في هذه المناطق من قصة نظام صدام حسين الدكتاتوري إلى قصة النووي لكوريا الشمالية التي رأت في الصين العقبة لدخول تلك المنطقة ثم النووي الإيراني.
والذي توشك على الدخول في حرب معها، لكن الثمن لذلك كله ستكون الشعوب في هذه المناطق، وما حققته من مكاسب، فالحرب على إيران ان حدثت لا سمح الله ستدمر إيران والدول المجاورة لها ثم تأتي أميركا لأرض خراب لتعيد بنائها بأموال هذه الدول ثم تبقى فيها.
والوقوف على مجريات الواقع توصلنا إلى استنتاج يقول بأن سيناريو الاحداث سيكون كالتالي حرب ضد إيران وحصار ضد سوريا، وبقيادة تحالف أميركي إسرائيلي، سيقود إلى تدمير النظامين الإيراني والسوري وتحجيم قوتهما.
ومن ثم تطبيق مشروع تقسيم عرقي وطائفي على غرار العراق ولبنان، ثم ان آثار الحرب ستقود إلى تدمير البلدين ورد فعل إيران سيؤدي إلى تدمير البنية التحتية لدول عربية خليجية.
وستقوم الشركات الأميركية بإعادة بنائها من أموال نفط إيران ودول الخليج العربية، وستحقق إسرائيل أمنها المستقبلي وإضعافاً جديداً للفلسطينيين وإبعاد فكرة الدولة الفلسطينية، ومزيداً من الشتات والتشرذم لتحقيق لاءاتها حول القدس واللاجئين والدولة، ثم الاختراق الإسرائيلي الأميركي لاقتصاد وسياسة دول الشرق الأوسط، وتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد.
ما هو تفسير التناقض بين الديمقراطية داخل أميركا وطبيعة الأنظمة اللاديمقراطية التي تقيمها أو تساعدها في العالم الثالث؟ ما هو تفسير دعمها للنظام الباكستاني وباكستان دولة نووية، ومعارضتها للبناء النووي في إيران؟ ماذا يمكن أن نفهم دعمها للقاعدة وما يسمى بالمجاهدين في أفغانستان في الثمانينات ضد الاتحاد السوفييتي ثم حربها ضد القاعدة وبن لادن؟
ماذا يمكن أن نفهم من دعمها لصدام حسين في الثمانينات في حربه ضد إيران وحربها ضده بعد ذلك بفاعلية في تحرير الكويت من الاحتلال الصدامي لكنها مضت في حرب أخرى لإسقاط نظام صدام حسين الذي ساعدته في حربه على إيران؟! وماذا يمكن أن نسمي دعمها المادي والسياسي لإسرائيل، ودعوتها المستمرة لإقامة دولة فلسطينية منقوصة السيادة، كيف نفسر هذه التناقضات في السياسة الأميركية.
وبعيداً عن اتهامنا بعقلية الستينات من القرن العشرين والإيمان بنظرية المؤامرة ألا يرى هؤلاء ما يجري؟ أم أن المظلة الأميركية تحجب رؤيتهم ويصرون على الإدعاء بأنهم مثقفين ويفهمون في السياسة!
حتى لو كان التبرير أن شعوبنا متخلفة، وغير قادرة على فهم واستيعاب الأفكار والممارسات الديمقراطية الأميركية فشعوبنا بنظرهم شعوباً قاصرة ولم تبلغ سن الرشد لكن كيف يمكن أن نفهم ما فعله الأميركان من تعذيب في سجن أبو غريب العراقي من قبل دولة متقدمة ومتحضرة كأميركا؟
وماذا يمكن أن نسمي سكوت هذه الدولة المتحضرة والمتقدمة على مذابح إسرائيل في فلسطين ولبنان وتسميتها لممارسات إسرائيل بأنها حق مشروع لها ودفاع عن النفس؟! إنها تقيم الدنيا ولا تقعدها إلا إذا أسر إسرائيلي واحد ولا تتكلم كلمة واحدة عن أسر آلاف الفلسطينيين؟ هل هي أزمة تخلف الدول المتقدمة بزعامة أميركا؟
وهل يمكن بعد ذلك كله أن نبرر لأميركا سياساتها، في العالم الثالث؟ وهل نترك ما حدث للتاريخ ليحكم ويقول رأيه بحجة أن ذلك من الماضي والسياسة متغيرة والمصالح باقية، وإننا نريد أن نريح الحاضر سياسياً دون أن نعي بأننا نخسر المستقبل عندما تتغير المصالح وتبعاً لها تتغير السياسة فالذين يراهنون على هذه القوى الدولية بأنها ستحمي كياناتهم وأمنهم مدى الدهر واهمون ولم يستفيدوا من تجارب التاريخ. إن الدول المتقدمة متقدمة داخل بلدانها لكنها متخلفة خارج أوطانها لأنها تبحث عن مصالحها ليس إلا.
كاتب كويتي