تبدو فرصة التوافق التي لاحت في أفق الأزمة الرئاسية اللبنانية مؤخرا، وكأنها تلاشت، أو على الأقل دخلت محطة إجازة عيد الفطر المبارك، فيما الانتظار هو صفة اعتادها اللبنانيون، فهم لطالما انتظروا بأزمتهم المفتوحة، نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، والانتخابات الرئاسية الفرنسية، والتغييرات السياسية في بريطانيا.
وتبدل واقع الحال في فلسطين المحتلة وإسرائيل، ويكفيهم أنهم ما زالوا ينتظرون، ومعهم كل الشعوب العربية، منذ عشرات السنين حل أزمة الشرق الأوسط التي ما زالت عقدها وتعقيداتها تشهد تراكما من فلسطين إلى أفغانستان، ومن العراق إلى سوريا وصولا إلى إيران.
وما كاد رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري يطأ بقدميه الأراضي الأميركية الأسبوع الماضي حتى استؤنفت المناوشات والتراشق الكلامي بين طرفي النزاع مثيرة الكثير من الغبار، حول موضوع النصاب القانوني لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، ومع استعداد الحريري للانتقال من نيويورك .
حيث التقى أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون إلى باريس اليوم، تراجعت بوضوح الآثار الإيجابية التي تركتها لقاءاته الأخيرة مع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، لاسيما بعد أن أدلى بموقف قال فيه إن الأكثرية لن ترضى إلا برئيس من قوى 14 آذار، ما أثار حفيظة المعارضة وتصعيدها الكلامي وما أعاد بدوره الأمور إلى نقطة الصفر، ووسط التصعيد والتصعيد المضاد، عادت المخاوف من تدهور الأوضاع بسرعة لتفرض ذاتها مع اقتراب موعد جلسة الانتخاب الرئاسية التي حددها بري في 23 أكتوبر الجاري.
وفي ظل هذه المستجدات فإن التحرك الدولي لسعد الحريري بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة وباريس وصولا إلى الرياض التي سيزورها عشية عيد الفطر المبارك، فإن التوقعات تفيد أن فشل جلسة الانتخاب الرئاسية المرتقبة قد يحمل لجوء الأكثرية، وبدعوة من نائب رئيس البرلمان فريد مكاري، إلى عقد جلسة في اليوم ذاته لنوابها في فندق «فينيسيا» الذي تحول إلى مقر لهم، يتم خلالها انتخاب رئيس جديد، ما قد يدفع بالأمور إلى مزيد من التأزيم خصوصا وأن الرئيس الجديد لن يتمكن من الانتقال إلى القصر الجمهوري في بعبدا.
وإذ لا ينفي مراقب سياسي محايد إمكانية حصول هذا الأمر الذي يصفه بـ «السيناريو المتوقع» حيث يمكن للرئيس المنتخب من قبل الأكثرية أن ينال دعما وغطاء دوليين كبيرين وغير مسبوقين، كما هي حال حكومة الرئيس فؤاد السنيورة اليوم، فإنه يجزم في المقابل بأن «هذا الرئيس لن يتمكن من أن يحكم البلاد».
ويذكر بأنه «في العام 1983 حين كانت القوات الأميركية على الأرض اللبنانية في عداد القوات المتعددة الجنسيات والأسطول السادس الأميركي قبالة الشاطئ اللبناني والمدمرة ذائعة الصيت «نيوجرسي» تقصف المواقع الوطنية المدعومة سوريا، فإن الأميركيين عجزوا عن فرض إرادتهم على الأطراف اللبنانية، فكيف بالحال اليوم والأمر لا يتعدى الدعم السياسي عبر وسائل التحكم عن بعد؟».
على الجبهة المقابلة لا تبدو المواقف أحسن حالا حيث أثار الخطاب الأخير لأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله ردود فعل سلبية ومواقف منددة رأت في طروحاته، وتحديدا تلك المتصلة بانتخاب رئيس من خلال استفتاء شعبي «محاولة للالتفاف على اتفاق الطائف والدستور وسابقة خطيرة في النظام البرلماني اللبناني»، كما استغربت ردود الفعل رمي نصر الله مسؤولية الاغتيالات السياسية على إسرائيل، واعتبرت ذلك محاولة لإعطاء ضوء أخضر لاستئناف عمليات الاغتيال التي استهدفت أركان الأكثرية دون غيرهم.
وهنا فإن المراقب المحايد يتوقف عند ما يسميه «سيناريو المعارضة المقابل» فيتوقف عند المخاوف التي تحدث عنها قائد القوات الدولية في جنوب لبنان «اليونيفيل» الجنرال كلاوديو غرازيانو والتي تحذر من إمكانية استهداف قواته في حال حصول فوضى سياسية في لبنان، ويرى المراقب أن مصدر مخاوف غرازيانو هو التحليلات السياسية التي تتحدث عن أن قوات «اليونيفيل» التي يبلغ عديدها قرابة 15 ألف جندي يمكن أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى رهينة في أيدي «حزب الله» في حال تطورت الأمور بشكل سلبي.
وفي انتظار عودة النائب الحريري من جولته الخارجية بعد العيد، وعودة الرئيس بري من جنيف حيث يشارك في اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي، فإن المتوقع أن تبقى الأمور في دائرة المراوحة والانتظار ريثما تستأنف المشاورات التي اكد الحريري من واشنطن استمراره بها.
فيما يبقى الحذر والترقب سيدا الموقف، وسط أجواء تفيد بأن المرحلة الحالية هي لحرق أوراق المرشحين للرئاسة، حيث يلفت المراقب المحايد إلى ان «غالبية الأسماء المطروحة حاليا لا تعدو كونها أسماء للاستهلاك في الوقت الضائع، في حين ان الأسماء الحقيقية لا تزال مخفية بانتظار ساعة الصفر».
كاتب لبناني
