فجأة يرفع أولمرت لافتة «خريطة الطريق»، وبذلك يقطع الطريق على أبو مازن.خريطة الطريق المعروضة على الفلسطينيين منذ عام 2003 كمشروع «دولي» هي في الحقيقة من تأليف أرييل شارون وإخراج جورج بوش بهدف دفع القضية الفلسطينية إلى طريق مسدود، مع ذلك سمحت القيادة الفلسطينية الرسمية لنفسها بالتورط في هذا الفخ عندما أعلنت موافقتها عليه، وأولمرت رفع هذه اللافتة قبل يومين على خلفية التضارب بين التصريحات الفلسطينية والإسرائيلية بشأن «المؤتمر الدولي» المرتقب عقده أواخر نوفمبر.

الطرفان المنهمكان حالياً في عملية تفاوضية متفقان مبدئياً على أن ينتهي التفاوض إلى وضع «وثيقة مشتركة» قبل انعقاد المؤتمر الدولي لكنهما مختلفان تجاه مضمون هذه الوثيقة:

هل تتعرض إلى القضايا الجوهرية الأساسية ـ حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، وحق العودة للاجئي 48 ومصير القدس والسيادة على مصادر المياه في الضفة الغربية كما يرى الجانب الفلسطيني أم تقتصر على نقاط ذات طبيعة عمومية وغامضة دون التعرض للقضايا الجوهرية كما يريد الإسرائيليون؟ وهل تكون ملزمة أو غير ملزمة؟ وهل تصاغ على أساس جدول زمني أم تترك البنود عائمة بلا تحديد؟

الآن وبينما تتواصل العملية التفاوضية يحسم رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت الجدل ببعث خريطة الطريق. وبذلك يرتد الأمر إلى المربع الإسرائيلي القديم، قال أولمرت: «أي اتفاق سيكون مرتبطاً بتطبيق خريطة الطريق روحاً ونصاً وتبعاً لترتيب الأولويات المحددة في عام 2003 ضمن الخطة»، «الأولويات المحددة» هي بيت القصيد، وهما بالتحديد أولويتان: إنهاء العنف الفلسطيني.. وتجميد الاستيطان الإسرائيلي، وإعلان أولمرت واضح إذن، وهو مراعاة «الترتيب».

فتجميد الاستيطان يجب أن يسبقه بالضرورة الحتمية وضع نهاية حاسمة للعنف الفلسطيني ـ أي القضاء على المقاومة الفلسطينية عن طريق تصفية فصائلها ـ خاصة فصيل «حماس».

الكلام موجه بالطبع إلى رئيس السلطة الفلسطينية. ولكن حتى لو استوفى أبومازن أولوية تصفية المقاومة، وحتى لو أوفت إسرائيل بالتزامها بتجميد الاستيطان (وليس تصفية المستوطنات القائمة بالفعل) فإن خريطة الطريق لا تتضمن وعداً بإعطاء الفلسطينيين دولة كاملة السيادة. فما تنص عليه الخريطة هو دولة فلسطينية «ذات حدود مؤقتة» إلى أن تعقد مفاوضات فلسطينية إسرائيلية لاحقاً بشأن «الوضع النهائي».

هكذا تعود القضية إلى المربع الإسرائيلي الأول: أن ينحصر التفاوض في «تنسيق أمني» بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية تساعد إسرائيل بموجبه الأجهزة الأمنية الفلسطينية التابعة للرئيس أبو مازن في عملياتها للقضاء على حماس أو فصائل المقاومة الأخرى.

ورغم أن مهمة المؤتمر الدولي المرتقب غير واضحة فإن وضوح الموقف الإسرائيلي لا مزيد عليه.. وهو موقف يستند إلى مراهنتين أساسيتين: المراهنة على «رسالة الضمان» الأميركية التي تتعهد واشنطن بمقتضاها بالموافقة على ضم أراضي المستوطنات في الضفة إلى إسرائيل نهائياً، والمراهنة على سلطة فلسطينية تلتقي مع إسرائيل وأميركا في تصنيف المقاومة الوطنية الفلسطينية ضد الاحتلال كنوع من «الإرهاب».