الحديث عن تكديس السلاح في لبنان منغص. مجرد تداوله مؤذ في هذه اللحظات الحرجة التي يجتازها البلد. حتى ولو كان مبالغاً فيه. أو حتى لو كان مفتعلاً. ذلك أنه يساهم في خلق أجواء استنفار وتحريض على شراء السلاح. ومن شأن ذلك أن يزيد من درجة التأزيم وتوسيع دائرة الارتياب والشكوك المتبادلة؛ الواسعة أصلاً.
وكان يمكن محاصرة مثل هذا الموضوع والتخفيف من آثاره، ناهيك عن المخاوف التي يثيرها؛ لو أن سيرته شاعت في وقت آخر، لكن أن ينزل إلى التداول ويصير حديث الناس ووسائل الإعلام، عشية الجلسة الثانية الهامة المقرر أن يعقدها البرلمان اللبناني لانتخاب رئيس جديد للبلاد؛ ففي ذلك مدعاة للقلق.
والأخطر أن يكون الحديث صحيحاً، خاصة وأن الاستحقاق لايزال موضع خلاف كبير، بل يبدو أن الخلاف حوله أخذ شحنات من التصعيد في الآونة الأخيرة. في أعقاب الجلسة الأول يوم 25 سبتمبر الفائت، شهدت الساحة حالة حراك وتواصل بين الأطراف. انفتح معها باب الأمل بحصول حلحلة باتجاه تمرير الاستحقاق الرئاسي بصورة وفاقية؛ والانتقال منه، نحو العودة إلى الانفراج المنشود. لكن التوتر سرعان ما عاد ليستبد بالوضع، تجددت لغة التراشق والاتهامات، تراجعت لغة التوافق، التي كانت قد بدأت تتسلل إلى المعادلة السياسية.
وفي الوقت ذاته برز وبوتيرة متسارعة، الحديث عن السلاح وعن تزاحم اللبنانيين على شرائه واشتعال أسعاره وما إلى ذلك من اشاعات، الأمر الذي رمى بالمزيد من الحطب في نار الوضع المشحون. لاسيما أن ذلك ترافق مع جدل ساخن حول ما قيل عن تدريبات عسكرية، جارية في بعض المناطق. كل ذلك تضافر مع اندلاع عشرات الحرائق في مناطق حرجية مختلفة من لبنان؛ طرحت حولها علامات استفهام كثيرة.
تحصل وتجري كل هذه التطورات والمداولات على وقع الاستحقاق الرئاسي، المتباعدة المواقف بخصوصه. يوم 23 الجاري موعد جلسة الانتخاب. أقل من أسبوعين. وبدلاً من أن تكون بورصة أسماء المرشحين هي موضع الاهتمام والمتابعة؛ فإذا ببورصة أسعار الأسلحة الخفيفة هي التي تستأثر أكثر بالأضواء. الأمر الذي أضاف عوامل سريعة الاشتعال، على المشهد اللبناني.
قد يكون في كل هذا الترويج شيء من التهويل. أو ربما كان من باب المناورة والاستدراج. الاعتقاد السائد، منذ بداية الأزمة بأن تجدد الحرب الأهلية غير وارد. أسباب ومقومات هذه الحرب غير متوفرة. وبالتحديد لأن اللبنانيين لديهم من مرارة التجربة ما يكفي لثنيهم حتى عن التفكير بمثل هذا الخيار، الذي يتهيبون حتى ذكره ذلك صمام أمان، لا يزال يعمل ويوفر المناعة ضد الانزلاق إلى هاوية أي نزاع أهلي مسلح. ويعزز ذلك أن الأزمة المتوالية فصولها منذ أكثر من سنتين، مرت بمسارب ضاغطة وخانقة، هددت بانفجارات. لكن في اللحظة الأخيرة كانت الأمور تعود إلى نصابها.
الفارق هذه المرة أن الاستحقاق كبير وهو يقف على العتبة؛ وأن نغمة السلاح والتسلح عادت لتطفو على السطح وبما يستحضر ذاكرة أواسط السبعينات. ولو أن الظروف والمعطيات مختلفة. فالوضع في لبنان يبدو وكأنه في سباق بين انتخابات الرئاسة وبين استعدادات للتأزيم الأهلي. بين تمرير الاستحقاق وتمرير السلاح. وعل هذا الأخير تكون قصته إشاعة، أكثر منها حقيقة. أو تكون عملية تلويح لا أكثر.
