قبل أيام صادق البرلمان السلوفاكي على قرار يثبّت فيه المراسيم التي أصدرها الرئيس التشيكوسلوفاكي الراحل إدوارد بينيش بعد الحرب العالمية الثانية ويعتبرها قوانين ثابتة لا يمكن المساس بها، ويصر بالتالي على أن الأحكام والأعراف الناجمة عنها منذ ذلك التاريخ لا تزال سارية المفعول.
وساد اقتناع لدى كثيرين، أنه لولا التأثير المعنوي القوي للكنيسة الكاثوليكية وحرص السياسيين في سلوفاكيا على اختيار عباراتهم بدقة خوفا من انتقاداتها، لكان البرلمان المذكور قد تجرأ بوسم تلك المراسيم بصفة القداسة.
لماذا أصدر البرلمان السلوفاكي قراره المثير للخلاف في هذا الوقت بالتحديد وبعد أكثر من ستين عاما على انتهاء الحرب المدمّرة، ولماذا تصر سلوفاكيا - ومعها تشيكيا بالطبع التي صادقت على قرار مماثل في السابق - على التمسك بتلك المراسيم، في وقت لا تزال فيه شعوب المنطقة تسعى جاهدة لتذليل الخلافات الناجمة عن مرحلة صعبة من تاريخها المشترك؟
التجربة التي مرّت بها شعوب تشيكيا وسلوفاكيا والمجر والنمسا وألمانيا كانت شيّقة بكل معانيها المأساوية والخلافية، وقد تدرّجت على مراحل ابتداء من احتلال تشيكوسلوفاكيا على يد ألمانيا النازية، مرورا بويلات الحرب العالمية الثانية ونشوة دحر النازية في عقر دارها، وانتهاء بالمرحلة المثيرة للخلاف التي نتحدث عنها، أي عندما قررّت تشيكوسلوفاكيا - الموحدة آنذاك - مواجهة العنف الذي مورس ضدها من قبل ألمانيا النازية، بعنف مماثل ذي أبعاد قانونية لكنه موجه هذه المرة ضد مواطنين وليس ضد دولة.
انطلاقاً من كل ذلك فأن جدلا قانونيا وأخلاقيا يدور حاليا بين أصحاب الشأن في أوروبا الوسطى ويتمحور تحديدا حول المراسيم التي أصدرها الرئيس بينيش لكي تشكّل الإطار القانوني لإبعاد أكثر من ثلاثة ملايين مواطن ألماني ونمساوي ومجري من تشيكوسلوفاكيا السابقة، وتحديدا من المناطق الحدودية المحاذية لهذه الدول الثلاث التي كان بعضها يعرف باللغة الألمانية باسم «سوديتين لاند».
وبرغم التطور الاقتصادي و«الأخلاقي »الذي مرّت به دول المنطقة منذ تلك المرحلة وحتى توحّدها مجددا ضمن كيانات اقتصادية وعسكرية أوروبية مختلفة، إلا أنها تبدو غير قادرة حتى يومنا هذا على توضيح المسميات وتعريف المعاناة، والتوافق بالتالي على أن ما جرى قد شكّل، برغم جوانبه القانونية، عملية إبعاد وحشية لشعوب شاء قدرها أن تكون جزءا من أمّة ساند حكّامها الزعيم النازي أدولف هتلر ونظامه التوسعي.
ما يخصّنا من كل هذه التجربة في حقيقة الأمر هو بعض التزامن التاريخي الذي ارتبط بمصير منطقتنا وشعوبنا، والذي بدا لي شخصيا مثيرا للشبهة، عميقا في دلالاته ومعانيه، غنيا بالعبر الواقعية التي ترسم أكثر من علامة استفهام حول ما جرى، وما يجري حتى يومنا هذا.
ولعلّ ما أثار اهتمامي وتوقي للتركيز أكثر على هذا التزامن التاريخي، هو ما صدر عن بعض ممثلي الألمان السودت أنفسهم في السابق من تشبيه لما حلّ بأجدادهم من ظلم على أيدي القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، بمصير الشعب الفلسطيني ومعاناته. فهل يحق لهؤلاء حقا أن يحظوا بشرف التشابه مع هذا الشعب العربي المظلوم الذي لا يزال تواقا حتى يومنا هذا للفوز مجددا بحقوقه المشروعة؟
إذا راجعنا عجلة التاريخ مرحلة تلو الأخرى يتبين لنا ما يلي: أن فصول الدراما التي حلّت في وسط أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية قد تزامنت بالفعل مع مأساة ضميرنا والظلم الذي حلّ بشعب فلسطين، أي مع ذلك الحدث التاريخي الذي أعتبره أشد ظلمة وقساوة من الحرب العالمية الثانية لأن ظلاله القاتمة لا تزال مؤثرة على منطقتنا والعالم حتى يومنا هذا.
ففي نفس الوقت الذي كانت تنفذ فيه عملية الإبعاد في وسط أوروبا، كانت فصول الدراما الفلسطينية في أوج مراحل تنفيذها. وفي نفس الوقت الذي كانت تصطف فيه طوابير الألمان السودت (والمجريين) للخروج من تشيكوسلوفاكيا تحت إشراف «الثوار »وغيرهم ممّن ساهموا بتحرير البلاد من نير الاحتلال النازي، كانت مشاهد النكبة الفلسطينية قد أصبحت صارخة بكل فصولها وتفرعاتها ودموعها وخيمها ومخيّماتها، واصطفت طوابير الشعب المعاني «المهاجر» قسرا إلى الدول المجاورة.
هل هي صدفة أم حتمية تاريخية ؟ قد يؤمن البعض بأن تصادف الأحداث هو بجميع الأحوال أسهل من الاقتناع بمنطق الحتمية التاريخية، لكنني أجزم بأن الارتباط التاريخي بين العمليّتين هو واضح تماما، لا بل أسمح لنفسي بالذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير لكي أزعم بأن هاتين العمليّتين قد ارتبطتا لاحقا بعملية ثالثة أكثر خطورة لكنها مبرمجة هذه المرة، بدأت في تلك المرحلة تحديدا وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
إنها عملية جمع شمل اليهود من مواطني دول وسط وشرق أوروبا الذين كانوا مضطهدين حقا على يد النظام النازي، والذين قرروا عن سابق تصميم وتخطيط (أو قرر العالم بالنيابة عنهم لا فرق)، بأن يملأوا الفراغ الذي أحدثته في أرض الميعاد ما يصفه منظري الحركة الصهيونية «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين.
التشابه إذا في محلّه وإن اختلفت الظروف والمسببات والشعوب المعنية بالأمر، وهو ما تؤكده معطيات قديمة مضى عليها الزمن لكنها لا تزال واضحة في معانيها وفي كيفية تفكير بعض المنظرين في وسط أوروبا بغض النظر عن انتمائهم الإيديولوجي.
وللتذكير فقط أورد في هذا السياق التصريحات الشهيرة التي أدلى بها ذات يوم في تل أبيب رئيس الوزراء التشيكي الأسبق ميلوش زيمان، أحد أبرز أقطاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا، والذي تجرأ قبل أعوام على تشبيه الزعيم الراحل ياسر عرفات بأدولف هتلر، ولم يجد حرجا بالدعوة في مقابلة علنية «لحل القضية الفلسطينية مثل قضية الألمان السودت بعد الحرب العالمية الثانية»، أي بإبعاده عن أرضه في حال لم يرضخ للشروط الإسرائيلية.
السبب في استعادة كل هذه المعطيات التاريخية هو ما نشهده في منطقة وسط أوروبا بعد أكثر من ستين عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية، وإصرار كافة الأطراف المعنية على التمسك بمواقفها دفاعا عن مصالحها التي نترك للتاريخ أن يحكم فيما إذا كانت محقة أو ظالمة.
وكما تصر سلوفاكيا (وتشيكيا) على التمسك بمراسيمها القانونية بطريقة تبدو أحيانا وكأنها أحد أسباب وجودها، يصر الألمان السودت والمجريين وغيرهم ممّن لحق بهم الظلم في تلك الفترة على المطالبة بحقوقهم.
وبعد كل ما سبق ألا يحق لنا أن نتمنى على الشعب الفلسطيني بأن يتمسك بهويته الوطنية ويصر على المطالبة بحقوقه برغم معاناته الكبيرة عبر الأعوام الطويلة؟
كاتب لبناني