كانت ليلة الانتخابات الرئاسية في باكستان أشبه بالأرق الطويل للرئيس مشرف، فالى جانب شعوره القلق وتوتره بنتائج تلك الصناديق المغلقة، والتي وصفها المراقبون سلفا بأنها نتائج شبه معروفة ومحسومة إلى حد بعيد، غير أن المجهول هو معرفة نسبة الأصوات، فهي وحدها النسبة التي ظلت غامضة، فعلى الأقل باكستان التي عاشت سنوات طويلة من حكم الطوارئ والاضطرابات المتواصلة لم تجرؤ بالإعلان عما هو سائد في الانتخابات العربية، إذ كثيرا ما تأتي نتائج انتخابات الرئيس فلكية حيث تقترب إلى الرقم المطلق.
ومع مرور الوقت تناقص قليلا الرقم، فصار الرئيس يحصل على اقل من 9,99%، فلعل هذا التقليل من النسبة يمنح المراقبين شعورا مختلفا، مفاده أن الانتخابات كانت نزيهة والفرز كان نزيها، وان شابتها بعض الملاسنات والمشاحنات والاحتكاكات.
ما نراه في الانتخابات الباكستانية مختلفا تماما عن أي بلد آخر في العالم النامي، الذي يسعى لتكريس ديمقراطية الدبابة والقوة، ديمقراطية قوانين الطوارئ وانتشار العسكر والشرطة في كل مكان، بهدف حماية الأمن والاستقرار وحماية صناديق الاقتراع السرية !
والمسافة بين ميانمار ودباباتها وباكستان ودباباتها،ورانجون وإسلام أباد لا تحتاج إلى ملامسة الواقع، فقد تبادل العسكر في البلدين نظام الحكم طويلا وهيمنوا على إدارته، وظلت البدل العسكرية تسيطر على سدة الحكم، دون أن تنسى تكميم الأفواه بتشريعات وقوانين استبدادية، والفرق بين ميانمار وباكستان.
إن الأولى ظلت فيها قوى العسكر تحكم بقبضة شديدة طوال عقود، وتعيش كدولة معزولة ومنسية تعيش خارج العصر، في وقت كانت باكستان كل يوم تتصدر الأخبار العالمية، لما يدور فيها من صراعات عنيفة بين كافة القوى الداخلية، إلى أن أصبحت مسألة مكافحة الإرهاب حالة ثابتة وواضحة لحكومة مشرف، الذي ذاق الأمرين في فترة حكمه، فالي جانب القضية الكشميرية المتأصلة.
ولدت مشكلة الإرهاب والتيارات الإسلامية المتشددة، التي كثيرا ما وجهت رصاصها إلى صدره، ولكنها لم تفلح، بينما راحت قوى الأمن تطوق معالم البؤر وخزانات التحريض التي تتخذ من بيوت الله واجهة وستارا لأفعالها، كما وجدناها مؤخرا في المواجهة مع المتحصنين في المسجد الأحمر.
إن مجرد الاقتناع بتخلي الجنرال عن بدلته في ارق تلك الليلة، وحدها تعكس عنوان الازدواجية العميقة التي يعانيها الرئيس القادم، الذي ينتظر أن يحسم التاريخ والمحكمة العليا انتصاره.
ولن يهم مشرف مقاطعة التيارات الإسلامية المتشددة وغيرها الانتخابات الرئاسية، طالما أن هناك جزءا من الشرعية أعلنت موافقتها عليه وألقت بأوراق الاقتراع فهو من سيقود البلاد لخمس سنوات قادمة.
ولن تحدث انقلابات سياسية في المواقف خلال هذه الفترة القصيرة، فالجميع حدد موقفه وأعلنه منذ وقت طويل، خاصة الأحزاب والقوى الفاعلة في الشارع السياسي الباكستاني، فبدت الشوارع والمقرات السياسية وأمكنة التجمعات اليومية هائجة وغاضبة، يحاول البعض إيقافها بطريقته والبعض الآخر يسعى للتخريب والبلبلة.
فانتخابات عام 2007، جاءت في ظروف مختلفة عن الأعوام السابقة، على الأقل، من حيث قدرة الرئيس مشرف على التحكم بمسارات الشارع الملتهبة، وحصرها في أمكنة جغرافية محددة في أقاليم بدت دائما معارضة للرئيس، وتتقاسم معه الشارع والنفوذ والهيمنة على الإعلام وسطوة الشارع والأصوات الانتخابية.
ولم يهتم المشاركون في الانتخابات بمواقف المقاطعين والممتنعين عن المشاركة، فذلك النهج العدمي الرافض، لا يحقق نتائج ملموسة على الأرض وفي صياغة قرارات تاريخية تهم المواطن الباكستاني. من وجدوا في مقاطعة الانتخابات الرئاسية سبيلا لتوجيه لطمه للرئيس والنظام، نسوا أن الشعب الباكستاني يعاني من أوجاع مزمنة تتشرب بها مفاصله ورئته المجتمعية وأخلاقياته.
حيث الفساد ضرب بإطنابه عميقا ولقمة العيش باتت ارقا وكابوسا، ان الحناجر الغاضبة ستبقى تصرخ كل يوم في الشارع تهتف منددة بحياة الرئيس، فقد باتت لعبة الشارع الباكستاني لعبة سياسية يومية لشعب، لا يحسن إلا الخروج للتظاهر والاحتجاجات، إزاء العشرات من المشاكل والتحديات.
ومن يتابع جيدا حجم الاحتجاجات اليومية في العالم، سيلاحظ أن باكستان تحتل مكان الصدارة من حيث الاضطرابات والصدامات اليومية، فهل نستغرب ذلك في بلد يعيش بين ظهرانيه عتاة المتشددين، ويؤوي بين جدرانه قادة كبار مطلوبين عالميا بتهمة الإرهاب؟
وسواء تقاسمت بنازير بوتو ومشرف السلطة فيما بينهما أو اختلفتا بعد النتائج على المحاصصة، وسواء تنازل عن بعض مواقفه الرئيس المنتخب أم ماطل في بعض المهمات، فإن ذلك لن يوقف الحناجر من ترديد أبواقها ولغتها الدامية مع النظام، المسكون بهاجس حالة الطوارئ، حتى وان ارتدى حلة الديمقراطية العرجاء. تبقى أسئلة معلقة في مجهول الأيام الباكستانية، تنتظرها الساعات القادمة، أهمها هل سيتوقف توجيه المسدس من بعيد لرأس الرئيس وصدره؟
وهل سيصمد طويلا تحالف بوتو - مشرف عندما يجلس الطرفان من اجل التقاسم ويتواجهان يوميا في آلية إدارة النظام؟ كيف سيضع الطرفان برنامجهما الأمني والسياسي مع المعارضة الباكستانية وإزاء مكافحة الإرهاب وتنظيف باكستان من البؤر الإرهابية بما فيها تنظيم القاعدة ؟
كاتب بحريني