بناء على نتائج مؤتمرات سابقة مماثلة وعلى مدى عقود من الزمن فإن سقف التوقعات العربية من مؤتمر الخريف في شهر نوفمبر القادم الذي دعا إليه الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش يبدو منخفضاً.

منذ البداية ومن التحضيرات الجارية تبدو آفاق وأعمال ونتائج المؤتمر المنشود تصب في مخططات الرئيس بوش بشأن استراتيجيته في إقامة شرق أوسط كبير تحتفظ فيه الولايات المتحدة وإسرائيل بالباع والذراع الطويلين والقبضة الأقوى عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

في هذا الدرب نفسه يتم تقديم الدعم المادي والمعنوي والسياسي لمجموعة من الأنظمة الديمقراطية «الكرزائية» القديمة والحديثة والمستحدثة. على أرض الواقع لا تشهد الساحة المستهدفة بالبحث والحل فيها أي تحسن يكاد بالخير يذكر، على العكس من ذلك تزداد الأمور إحباطاً وتشاؤماً في كل موقع يخص القضية الفلسطينية.

المطالب الأميركية من المؤتمرين كما رشحت إلى بعض وسائل الإعلام بالرغم من تقليديتها وسمتها الانتقائية الاستعلائية تفوق في الحدة والتعنت في جملتها وتفاصيلها المتطلبات الإسرائيلية وتمثل شروط القادر المتحكم المبتز من الضعيف والمأزوم.

تتلخص المطالب الأميركية باعتراف وتطبيع عربيين كاملين لا رجعة عنهما تحت أي ظرف مع تغيير في المناهج التعليمية والتربوية العربية لبث ثقافة السلام حسب المواصفات الأميركية ـ الإسرائيلية لدى الأجيال الناشئة. هذه المطالب تبدو من «البراءة وحسن النوايا» وكأن القضية الفلسطينية بكافة جوانبها قد تم حلها بالكامل أو في طريقها إلى ذلك!.

يصاحب تلك المطالب تعزيز إمكانيات إسرائيل العسكرية، والاقتصادية، الأولى بقدرات كمية ونوعية تجعلها المسيطرة على الأرض والأجواء بشكل مطلق. هذا في الوقت الذي يستمر مسلسل نزع السلاح من الدول العربية وتحويلها إلى «جمهوريات موز» وكيانات هزيلة تنتظر العون الخارجي لها ولشعوبها بشغف وحاجة متزايدة.

في الطرف الفلسطيني بالذات يتم تطبيق المثل الديمقراطي الأفغاني حين يُطلب من الحكم الفلسطيني المدعوم ولو محدوداً أمريكيا وغربياً في مواجهة قوة حماس «الطالبانية!» التي سيطرت بالكامل على قطاع غزة.

المطالب الأميركية الحالية ترجمة عملية للتصور الإسرائيلي للمشاركة في عملية السلام والذي يتلخص بمبدأ الاعتراف التبادلي بين إسرائيل وحكومات دول العالم العربي، والسلام مقابل السلام الذي جاء أصلاً من مقترحات اليمين الإسرائيلي المتطرف.

مبدأ السلام مقابل السلام الإسرائيلي ينسف أو يقضي على مبدأ الأرض مقابل السلام الذي تتمسك به الأطراف العربية بشكل عام والطرف الفلسطيني بشكل خاص. حتى أن مبدأ السلام مقابل السلام مصطلح فضفاض وتكتيكي يمكن استخدامه فقط لأغراض دعائية إعلامية ويخضع إذا ما تم تطبيقه لتفسير القوي المسيطر المتحكم ويؤدي إلى مزيد من الخسارة مع طرف يسعى إلى التوسع وإحكام السيطرة والتحكم.

في مؤتمر الخريف للسلام والذي قد لا يعدو انعقاده تكتيكاً من الرئيس الأميركي المتورط كارثياً في أفغانستان والعراق سيواجه الطرف الفلسطيني عدواً أكثر سيطرة وشغفاً لتحقيق مصالحه.

الأطراف العربية ضعيفة وسهلة الاستفراد بها وتفتقر إلى التماسك والتوحد اللهم من انضوائها الشكلي تحت مظلة الجامعة العربية والتي أي الأخيرة تشكل عاملاً سلبياً ضعيفاً معهوداً. الأطراف الغربية تتحاور مع نفسها بشكل شبه مطلق وستنتظر الأطراف العربية قرارات المؤتمر ونتائجه انتظار الأيتام على مآدب اللئام!

وفي أحسن الأحوال. اللجنة الرباعية الدولية المشاركة في المؤتمر معروفة بمواقفها الخجولة في مواجهة التحديات الإسرائيلية للسلام، بسبب سيطرة القوى غير الجدية أو الفاعلة أو حتى المنحازة إلى الجانب الإسرائيلي عليها. يتمتع المندوب الجديد للجنة الرباعية السيد توني بلير بطبيعة غاية في السلبية اتجاه القضايا العربية بسبب نزعته المسايرة للتصور الأميركي والإسرائيلي لأي تحرك باتجاه التعامل مع تلك القضايا.

حتى أن السيد توني بلير وفي لقاء تلفزيوني معه مؤخراً بدا في تصوراته لخطوات الحل الجارية حالياً لقضية الشرق الأوسط، بدا وكأنه يمثل النخبتين الإسرائيلية والأميركية الحاليتين والمتسمتين بالتشدد والمحافظة والتحيز لصالح إسرائيل على حساب مصالح العرب وثقافتهم وخيراتهم.

هذه هي آخر سنة للسيد جورج بوش في فترة حكمه الثانية. يحتاج بوش لمؤتمر الخريف للسلام لمساعدته شكلياً على إنقاذ نفسه وماء وجهه وتلميع صورة أمريكا الملطخة بالدماء من جراء مغامراته العسكرية الحمقاء الطائشة. يعجز جورج بوش كذلك عن التقدم باتجاه حل أزمة الملف النووي الإيراني التي افتعلها بنفسه ويواصل يومياً التصعيد المتعمد فيها. بعد التدني المتواصل في شعبيته يحاول بوش جاهداً تجميع أي شيء يجعله دولياً في موقع أكثر قوة وهيبة عن طريق الاستعانة بحلفاء تقليديين قدامى ومنتفعين جدد.

يستأنس جورج بوش بهؤلاء الحلفاء والمنتفعين محاولاً وضعهم ولو إعلامياً في باقة أو حزمة واحدة يقوم باستعمالهم للعمل باتجاه قضية عالقة عليه بحجم قضية الملف النووي الإيراني. من غير المستبعد أن يكون مؤتمر الخريف للسلام في الولايات المتحدة امتداداً لمحاولات السيد بوش لاحتواء إيران كلياً ولمواصلة لضغط عليها باستمالة أو إغراء حلفائها للتخلي عن برنامجها النووي، ولا علاقة له بالسلام ولا بمعاناة الشعوب المكتوية بنار وحصار وإجراءات المشاركين الكبار في المؤتمر.

بعد عقود طويلة من الممارسات الغربية والإسرائيلية تغيب عن الذهنية العربية حقيقة ساطعة وهي أن السلام الذي يخدم شعوب الشرق الأوسط هو كثيراً أقل من ثانوي في الذهنية السياسية الغربية. إن اهتمام الزعماء الغربيين في هكذا مؤتمرات لا تعدو للحفاظ على المصالح الأنانية لهؤلاء الزعماء أو لتطبيق سياسات دولهم أو الحفاظ على مصالحها الحيوية وغير الحيوية.

من يصدّق أن جورج بوش وتوني بلير وإيهود أولمرت، ومعهم الآن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذين يذيقون العرب في العراق وفلسطين ولبنان جحيم المعاناة وعلى فترة تمتد إلى السنين الطويلة، سوف يتحولون في مؤتمر خريف جورج بوش إلى رجال سلام حقيقيين؟!.

من يصدّق أن جورج بوش ذا العقلية «الأرماجيدونية» ونظرية الضربة القاضية والحرب النظيفة يدعو إلى مؤتمر دولي للسلام الحقيقي في الوقت الذي يعد «أرمادا» عسكرية متطورة قادرة على حرق الشرق الأوسط برمته، باستثناء الكيان الإسرائيلي للحفاظ على الصوت اليهودي الفعال في الإعلام الانتخابي الأميركي لصالح الحزب الجمهوري؟!

لم يبق أمام الآملين في السلام القادم عن طريق الإدارة الأميركية وأعوانها وحلفائها إلا أن يمنّوا أنفسهم بالسلام ومصطلحات من مثل الدولة القابلة للعيش والحلم بالتقدم والازدهار والاستقرار المصاحب.

سينعقد المؤتمر وسيتبادل المؤتمرون الخطابات المكتوبة بعناية وسيذهب كل بعد ذلك إلى طريق تاركين شعباً يئن تحت السيطرة الإسرائيلية. مؤتمر خريف جورج بوش محطة لقاءات أخرى مثله مثل مؤتمرات سابقة في شرم الشيخ أو كامب ديفيد أو حتى القاهرة أو لندن أو باريس آخر قابل لاستخدام الرئيس الأميركي في مآربه الداخلية وسياسته الخارجية.

لو كان لدى العاقدين العزم على الذهاب إلى المؤتمر أدنى تثمين للسلام لماذا لا يُطلب من إسرائيل مثلاً تخفيف الإجراءات اليومية المذلة على الفلسطينيين، هذا عدا عن التعامل مع ظاهرة الاستيطان الإسرائيلي التي تقضي على أي أمل في السلام؟!. لماذا تجري الاستعدادات الإعلامية والسياسية على قدم وساق لتحويل أنظار المؤتمرين والعالم من حولهم إلى الأخطار المزعومة من إيران وسوريا وحزب الله وحماس؟!

غاضين الطرف عن أبشع احتلالين عرفهما التاريخ الحديث، الأميركي والإسرائيلي. حضر العرب مؤتمر خريف بوش أو تغيبوا عنه أمران سيان؛ بعد المؤتمر سيأتي من الزعماء من يعلن أن الأمة العربية والقضية الفلسطينية تمران بظروف حالكة وأزمات ومؤامرات خطيرة جديدة!

جامعة الإمارات