شهر رمضان هذا العام كان حافلا بدروس الثقافة الإسلامية ومجالس العلم الرمضانية، فقد شهدت المساجد في ليالي هذا الشهر الكريم حلقات الدروس الدينية من نخبة من أصحاب الفضيلة العلماء ضيوف صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، كما شهدت مجالس العلم والثقافة الإسلامية التي يقيمها كبار الشخصيات في الإمارات العربية محاضرات ثرية.

وفى المجلس الرمضاني الثقافي الذي يعقده الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبى نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والذي استضاف طوال الشهر نخبة ممتازة من العلماء المسلمين، دعا الدكتور « رضوان السيد» إلى إجراء مصالحة بين الدين والدولة.

وإحياء الإصلاح الإسلامي للخروج من حالة الانقسام الحالية، على أن يقوم بذلك رجال الشأن العام و الثقافي، لاستبعاد العنف وإدارة الحوار العام، ثم الالتزام بالآليات التي يفرضها السلوك السياسي، في الآليات الانتخابية والقانونية، والامتناع عن استخدام العقيدة الدينية في المسألة السياسية، لأن الإسلام هو دين مشترك وليس لطرف حق امتلاك مرجعيته.

ودعا المحاضر إلى إعادة النظر في رؤيتنا إلى المؤسسة الدينية الإسلامية لأنها ظلمت ظلما شديدا، وأن محاولة الإصلاح الإسلامي لهذه المؤسسة على يد الإمام محمد عبده في مصر لم يكتب لها النجاح، وفي الوقت نفسه فإن فكرة الإصلاح الديني الذي يدعو إلى تبني النموذج الغربي أدى إلى انقسامات كبيرة كما حصل في تركيا العلمانية، بسبب استيراد مشكلة غربية وتطبيقها على الواقع العربي الإسلامي.

ونبه الدكتور رضوان إلى أن مسألة الإصلاح الإسلامي في العالم العربي طرحت من قبل طرفين، طرف قصد به النموذج الأوروبي في الإصلاح الديني، وطرف آخر رأى فرقا بين الظرف الغربي والإسلامي وأن الظروف التي نشأت على أساسها هذه الفكرة في الغرب لا تقوم عندنا، فليس بين الدين والدولة صراع، وهذا الموضوع الهام الذي طرحه الدكتور رضوان يستحق اهتمام العلماء والمثقفين والسياسيين والإعلاميين لفض التناقض المصطنع بين الدين والدولة، وفى نفس الوقت تطوير الثقافة الإسلامية للإجابة على الأسئلة العصرية الجديدة.

وظني أن الدولة الإسلامية كما عرفها العرب المسلمون في عصور النور لم تكن دولة «ثيو قراطية» كالدولة الدينية كما عرفها الأوروبيون المسيحيون في عصور الظلام، حين كانت الكنيسة تمثل السلطة الدينية في مواجهة السلطة السياسية للإمبراطور، وكان الحاكم يحكم بالحق الإلهي المقدس، وكان رجال الدين هم الذين يمنحون الناس صكوك الغفران.

وانتهى الأمر بصراع بين رجال الدين ورجال السياسة، ثم بحركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر البروتستانتية في أوائل القرن السابع عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية، بينما كانت الدولة الإسلامية في الماضي تختلف عن الدولة الدينية إذ ليس فيها لا سلطة دينية ولا ازدواج سلطة ، ولا رجال دين بل علما ء دين بلا تناقض يذكر بين الدين والدولة.

وفي عالمنا العربي قد توجد علاقة ملتبسة وغير واضحة بين التيارات الدينية الجديدة التي قد تكون لها معركة مع الأفكار الغربية التي تستهدف تذويب الهوية الإسلامية و تناهض بعض أنظمة الحكم من جهة ومن جهة أخرى لاتثق في المؤسسة الدينية التقليدية، ومع ذلك لايوجد لدينا في الحاضر ولا يتوقع أن يوجد في المستقبل معركة بين الدولة والدين لأربعة أسباب واضحة :

.. الأول أن دساتير الدول العربية كافة تشير إلى الإسلام باعتباره دين الدولة .

.. والثاني أن الغالبية الشعبية العظمى في العالم العربي مسلمة الديانة .

.. والثالث أن التيار الإسلامي بكل ألوان طيفه هو التيار الغلاب بين غالبية الشباب الذي هو نصف الحاضر، و كل المستقبل.

..والرابع أن الظواهر السلوكية التي تبدو علامة على الانسلاخ عن الانتماء الديني لدى الشباب اليوم تبدو ظواهر مرحلية سرعان ما تصحح نفسها غدا، بينما المظاهر الفكرية لهذا الانسلاخ بجلد الذات الإسلامية هي في جزء منها حالات ثقافية مريضة، أو أصوات عالية قليلة العدد وفقيرة المدد، ومحدودة الأثر في القاعدة الشعبية ومعزولة بين النخب.

mamdoh77t@hotmail.com