عادت منطقة الشرق الأوسط لتشكل بؤرة للصراعات الدولية والإقليمية، بعد أن بدا أن هذه المنطقة باتت حكرا على القطب الأميركي، إثر انتهاء معادلات وتوازنات الحرب الباردة، بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

الآن ثمة قوى عديدة تشتغل، أو تصارع، من أجل فرض سيطرتها على تلك المنطقة الاستراتيجية للعلاقات الدولية، فالاتحاد الروسي يناكف من أجل إعادة نفوذه السابق، وأوروبا تجهد للحفاظ على نفوذها، والولايات المتحدة تسعى لتكريس هيمنتها على هذه المنطقة، من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وعلى المستوى الإقليمي فثمة إسرائيل التي تعمل من أجل استعادة صورتها كدولة رادعة، ومن أجل تعزيز مكانتها في الاستراتيجية الأميركية (لاسيما بعد إخفاقها في حرب لبنان)، وثمة تركيا التي تحاول توسيع دورها في مدخل العمليات الاقتصادية، وثمة إيران التي تريد أن تتحول إلى لاعب إقليمي أساسي في معادلات الشرق الأوسط، بل وفي المعادلات الدولية.

اللافت أن القوة التي دشّنت هذا الاضطراب، في صراع القوى على الشرق الأوسط، هي الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، بدءا بإسقاطها نظام طالبان في أفغانستان (2002) مرورا بإسقاطها نظام صدام في العراق (2003)، وصولا لطرحها مشاريع التغيير والإصلاح (الانقلابية) في العالم العربي، في مقابل ترددها في الضغط على إسرائيل في مجال عملية التسوية.

والواقع فإن الإدارة الأميركية لم تستطع التحكم بالتداعيات الناجمة عن التحولات والسياسات والمشاريع التي طرحتها إزاء المنطقة العربية، من باكستان إلى لبنان، ولا تجييرهما لحسابها تماما، بحكم انتهاجها سياسات عنجهية، وعدم مراعاتها لمجتمعات هذه المنطقة ونمط ثقافتها، وطريقة رؤيتها لذاتها ولمصالحها، وبسبب اعتمادها القوة كوسيلة لإحداث تغييرات في واقع هذه المنطقة، دون التبصّر بالانعكاسات السلبية والعكسية التي يمكن أن تنجم عنها.

أما التطورات والتحولات التي جاءت كانعكاس للسياسة الأميركية الشرق أوسطية، فتتمثل، أولا، بانكسار الكيان العراقي، ووقوعه في دائرة الفوضى والعنف الأعمى، والخراب السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتعمق الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية فيه.

وثانيا، في تفشي النعرات الطائفية والانقسامات المذهبية (بين السنة والشيعة) في عموم منطقة الشرق الأوسط؛ ما يهدد الاستقرار في هذه المنطقة، ووحدتها المجتمعية وكياناتها السياسية.

وثالثا، في تنامي دور الفاعلين اللادوليين، لاسيما المحسوبين على تيار الإسلام السياسي، في تقرير الشأن الداخلي في بعض البلدان العربية، وبالخصوص في لبنان (حزب الله)، وحركة حماس (فلسطين)، والقوى السياسية الشيعية (العراق)؛ وهي بالإجمال قوى محسوبة على إيران، ومدعومة منها. ورابعا، في تفكك وإضعاف النظام السياسي العربي، لإخضاعه لمزيد من الضغوطات والابتزازات بدعوى الإصلاح والتغيير.

أيضا فإن الولايات المتحدة بالذات هي المسؤولة عن الصعود الكبير للنفوذ الإيراني في العراق، وفي عموم الشرق الأوسط، وتحديها للنفوذ الأميركي فيه، بشكل غير مسبوق، إذا استثنينا مرحلة وجود الاتحاد السوفييتي (السابق)، إبان علاقات الحرب الباردة وعالم القطبين.

وبديهي أن الاضطراب الحاصل في النظام العربي، إزاء ما جرى وما يجري في العراق، وإزاء المشاريع الأميركية، من مثل مشاريع «نشر الديمقراطية»، وإصلاح النظم السياسية، و«الشرق الأوسط الكبير»، فاقم من ضعف فاعلية هذا النظام، وزاد من تدني قدرته على تقرير مصيره والدفاع عن حقوقه ومصالحه ومواجهة التحديات التي تعترضه، من قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع إلى تحدي تجليات وانعكاسات العولمة، ومن ضمن ذلك تحدي عملية التسوية مع إسرائيل (إن لم نقل عملية الصراع معها).

الآن تبدو الإدارة الأميركية بصدد مراجعة بعض سياساتها في هذه المنطقة، من مداخل عدة، يتمثل أولها بمحاولة تفعيل عملية التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، على أساس رؤية الرئيس بوش بشأن حل الدولتين، ومبادرة السلام العربية.

وثانيها يتمثل بالتراجع عن مشروع «نشر الديمقراطية»، وتابعه إصلاح أو تغيير النظم السياسية، في المنطقة العربية، وهما أساس مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، وذلك لصالح العودة إلى السياسة الأميركية التقليدية، التي كانت اتبعتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط (منذ عقود عدة)، بشأن الحفاظ على استقرار الأنظمة الحليفة السائدة، بغض النظر عن طبيعتها، وعن سياساتها الداخلية.

وثالثها يتمثل بتوحيد الصف العربي في مواجهة النمو المتزايد للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، على اعتبار أن هذا الخطر يتهدد معظم الأنظمة العربية في هذه المنطقة. وتتركز الادعاءات الأميركية هنا، على اعتبار إيران دولة دينية ومذهبية (شيعية)، وداعمة للجماعات الإرهابية، وتسعى لتسعير الفتن المذهبية في المنطقة، ما يهدد وحدة مجتمعاتها ويقوض الاستقرار فيها، وأنها تحاول الهيمنة على الشرق الأوسط، بسعيها تملك السلاح النووي، وباستخدامها ذريعة الصراع العربي الإسرائيلي لدعم الجماعات المسلحة الموالية لها.

أما إسرائيل فهي تبدو في حيرة من أمرها إزاء العواقب الخطيرة التي جلبتها سياسة القوة الأميركية في المنطقة، فهي وإن بدت مرتاحة في البداية لما جرى في العراق، وتمنت أن يعم على المنطقة، وفق سياسة «الدومينو»، إلا أنها باتت تنظر بعين الخطورة للتداعيات التي نجمت عن ذلك، والتي باتت تهدد استقرارها وأمنها ووجودها، بدءا من صعود إيران، إلى صعود قوى الإسلام السياسي المسلحة، إلى الضعف الحاصل في بنية الكيانات والمجتمعات العربية، والذي يمكن أن ينعكس عليها سلبا.

وإسرائيل هذه، وبرغم الاجحافات المتضمنة في عملية التسوية بالنسبة للحقوق العربية، تبدو أكثر ميلا لتجنّب أية استحقاقات أساسية في هذه العملية، على أساس إنها لا تريد أن تدفع ثمة الإخفاقات الأميركية في المنطقة، على شكل تنازلات تهدد كيانها وأيدلوجيتها.

ولذلك فإن إسرائيل تصارع في هذه المرحلة على إبقاء الوضع على ما هو عليه، وتقديم مجرد تنازلات صورية للفلسطينيين، وهذا هو مغزى حديث أولمرت عن إمكان التوصل إلى إعلان نوايا، وليس إلى اتفاقات، في الاجتماع المخصص لتسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والذي دعت إليه الإدارة الأميركية في نوفمبر المقبل.

اللافت أن النظام العربي يكاد يكون الغائب الأكبر عن كل ما يجري، بالنسبة لتقرير أحواله، وصوغ مستقبل المنطقة، كما بالنسبة للتصارع عليها، خصوصا بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، من جهة مقابلة.

في كل ذلك فإن المراجعات الأميركية للسياسة الشرق أوسطية جاءت متأخرة جدا، ويخشى أنها لن تستطيع أن تؤدي الغرض المطلوب منها. وأساسا فإن هذه المراجعات ستظل مرهونة، أولا، بمدى توجه إدارة بوش نحو الضغط على إسرائيل، وبمدى قدرة إسرائيل على الاستجابة الايجابية لهذه الضغوط لصالح إنفاذ تسوية شاملة وعادلة في المنطقة وعلى مختلف الجبهات.

وثانيا، بحسم الإدارة الأميركية لموقفها بشأن وضع استراتيجية مناسبة للخروج من العراق وضمان استقراره وسيادته على أراضيه وعدم تفتيته. وثالثا، بمدى قدرة الإدارة الأميركية على لجم النفوذ الإيراني، سياسيا وأمنيا، في العراق وفي عموم الشرق الأوسط. ورابعا، بمدى جدية الإدارة الأميركية في تفعيل النظام العربي، وتمكينه في تطوير ذاته، وفق أولوياته وحاجاته ومصالحه الحقيقية.

ودون ذلك يخشى القول إن منطقة الشرق الأوسط ستبقى في المجهول والفوضى، وإلى حقبة لا أحد يعرفها، ولا أحد يمكنه التكهن بتداعياتها.

كاتب فلسطيني