هل يجوز تعذيب المعتقلين المشتبه بهم؟

هذا السؤال محور جدل الآن في الصحافة البريطانية.

قد يبدو طرح السؤال نفسه غريباً لأنه يتعلق بأمر بدهي. فالتعذيب في الدول الغربية محظور بموجب القوانين بل وبموجب نصوص دستورية. وحتى في الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية دموية في العالم الثالث يحرص النظام على تضمين الدستور نصوصاً منمقة تجعل من التعذيب «جريمة وحشية».

لكن السؤال المطروح في الصحافة البريطانية يتخذ طابعاً جدلياً لأنه يتعلق بالحرب على «الإرهاب» التي تشنها الحكومات الغربية بقيادة الولايات المتحدة وما ترافق معها من إجراءات استثنائية منذ «أحداث سبتمبر» 2001. فمنذ ذلك الحين باتت ممارسة التعذيب ظاهرة تشكل أحد ثوابت الإدارة الأميركية في الداخل والخارج.

القانون الدولي يحظر تعذيب المشتبه بهم في أي مكان وأي زمان بصورة قاطعة لا تقبل أي تأويل، ومع ذلك فإن ممارسات التعذيب المنهجي التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الأميركية داخل الولايات المتحدة وخارجها لا يقتصر تبريرها على أركان إدارة بوش بل تحظى بدفاع من خبراء قانونيين وعلاوة على ذلك فإن استطلاعات الرأي التي أجريت في هذا الصدد تفيد جميعها بأن نصف الأميركيين على الأقل يؤيدون تعذيب المعتقلين إذا كانوا من المشتبه بهم في الضلوع في أنشطة «إرهابية».

هكذا تواصل الأجهزة الأمنية الأميركية نهج التعذيب استناداً إلى تفويض رسمي ودعم شعبي. وبما أن «الحرب الأميركية على الإرهاب» غير مرتبطة بمدى زمني محدد ـ أو مكان جغرافي محدد ـ فإن نهج التعذيب يتحول من «إجراء استثنائي مؤقت» إلى سياسة ثابتة ومستديمة.

هنا نتوقف لنتساءل: هل كان لاستطلاعات الرأي الشعبية الأميركية أن تفرز نتائج مؤيدة لظاهرة التعذيب لو كان ضحايا عمليات التعذيب أميركيين ولم يكونوا عرباً ومسلمين؟

في أعقاب تفجيرات سبتمبر جرى اعتقال آلاف تلو آلاف على أساس الاشتباه، وكان معظمهم إن لم يكن جميعهم عرباً ومسلمين بمن فيهم من حصلوا على المواطنة الأميركية. هؤلاء جميعاً أخضعوا لعمليات «استجواب» بالغة القسوة جرى خلالها ممارسة شتى وسائل التعذيب بشقيه البدني والنفسي. وعند نهاية المطاف أطلق سراحهم ليكونوا بعد ذلك رهن المراقبة.

أما خارج الأراضي الأميركية فقد أنشأت وزارة الدفاع الأميركية معسكر غوانتنامو سييء الصيت بينما أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية مراكز تعذيب سرية في بلدان أوروبا الشرقية بالإضافة إلى معتقلات داخل سفن حربية ترابط على المياه الدولية. وأيضاً فإن معظم المعتقلين في هذه الأماكن إن لم يكن جميعهم عربا ومسلمين.

في سياق الجدل الدائر في الصحافة البريطانية حول التعذيب تبارى قانونيون وسياسيون في تبرير ممارسات الأجهزة الأمنية الأميركية بمنطق ضرورة الحرب على الإرهاب.

وهذا يعود بنا إلى المربع الأول: ما هو على وجه الدقة تعريف «الإرهاب»؟ وما هو موقف الولايات المتحدة من الأنظمة التي تمارس إرهاب الدولة على مواطنيها لكنها مصنفة في الوقت نفسه كصديق لواشنطن؟