تكاد شؤون الأمن في العراق تتحول إلى صناعة مفتوحة على عالم المقاولات. شركات ومجموعات يتم التعاقد والتوافق معها على القيام بمهمات أمنية خاصة، تشمل فئات وأحياء معينة، في بغداد وغيرها.
وهي تقوم بالمطلوب منها كأي شركة تجارية، يجري تلزيمها مشروعاً ما وفق دفتر شروط. الفارق هنا أن هذا الدفتر شروطه رخوة؛ أمعن المقاول في استغلالها وتطويعها حسب مشيئته. وأحيانا بدأ يعمل على تحويلها إلى أداة قمع وقتل وترهيب.
بل إلى وسيلة لبناء سلطة، ولو محلية، وممارسة نفوذه من خلالها. بالنهاية أدت خصخصة الأمن ليس فقط إلى العبث بالأمن بل أيضا إلى انفلات يهدد بانعاكسات سلبية على الوضع العراقي برمته. وبالتحديد على العملية السياسية التي لا تحتاج إلى المزيد من صب الزيت على نارها.
شركة بلاك ووتر الأميركية هي أحد المقاولين في هذا المجال. مهمتها الأصلية حماية الدبلوماسيين الأميركيين في العراق. تحت هذه اليافطة قامت بارتكاب مخالفات شنيعة، بحجم الفضيحة، أفرادها يطلقون النار بصورة عشوائية على المدنيين في بغداد، الذين سقط منهم العديد.
آخر وجبة كانت 13 قتيلاً مرة واحدة، ارتفعت الضجة وأصوات الاحتجاج على ممارساتها، حصل تجاهل أميركي في البداية للموضوع، مع ازدياد تسليط الأضواء الإعلامية عليه، اضطرت الجهات المعنية، الخارجية الأميركية بالتحديد، إلى الوعد بالتحقيق في العملية؛ عن طريق فريق من رجال الشرطة الفيدرالية اف ـ بي ـ أي، ثم دخلت الفضيحة على خط الحملة الانتخابية الأميركية وتحولت إلى موضوع للمزايدة وتسجيل النقاط. كذلك دخل الكونغرس على الخط واستمع إلى شهود ومسؤولين في الخارجية وبلاك ووتر.
على الاثر تشكلت لجنة للبحث في كيفية تنظيم مراقبة على أعمال شركات الأمن العاملة في العراق التي تستخدم آلاف الحراس الأمنيين . لماذا لم يحصل وضع آليات تكفل ضبط هذه الشركات منذ البداية؟.
فضيحة يستحضر مسلسلها فضائح سجن أبو غريب الشهير، استباحات متكررة للأرواح والكرامات. وعندما ينكشف أمرها، يصار إلى إيداعها في يد التحقيق، الذي تنتهي ملفاته إما على الرف وإما عند حدود إدانات أفراد، غالباً ما يجري اختيارهم ليكونوا كبش الفداء ـ كما حصل مع المجندة في فضيحة ـ أبو غريب، التي تجاهل التحقيق دور رؤسائها.
ولا يقف الشطط والاستهتار عند الشركات الأمنية، بحيث تعداها إلى أشكال أخرى من تلزيم الأمن، هذه المرة لمجموعات محلية؛ وفي بغداد بالذات، فقد قامت القوات الأميركية بتشكيل قوات مواجهة داخل الأحياء السكنية؛ للقيام بمهمات أمنية؛ ومن دون التنسيق ولا حتى العلم والخبر، مع الجهات العراقية المعنية. والخطير أن هذه العناصر المسلحة والعاملة مع الأميركيين صارت «بمثابة حكومات مصغرة تدير مناطق بغداد»، حسب مسؤول عراقي.
الأمن ضروري. وهو مطلوب وحاجة حيوية بالنسبة للعراق والعراقيين لكن بالتأكيد ليس على حساب المدنيين الأبرياء. ولا على حساب تحويل العاصمة إلى بؤر مسلحة.
تتحكم بسكانها وبأوضاعها. كان أبو غريب يكفي لأخذ الدرس واتخاذ التدابير والاحتياطات الكفيلة بقطع الطريق على فضائح أخرى. بلاك ووتر ـ المياه السوداء ـ التي تحولت إلى سفك الدماء وبأعصاب باردة؛ لا تجلب الأمن. ولا تسليح المجموعات المحلية يأتي بالأمان، فهذا الموضوع لا يصح تلزيمه للمقاولين.
