الأكيد أن الرئيس الأميركي جورج بوش على قناعة بأنه أساء إلى الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من إفادته لها، عندما قرّر إعلان الحرب على العراق وغزوه... والأكيد أيضا أن الرئيس الأميركي الذي لم يعد له مجال كاف لكي يجرّب أمرا آخر أو رأيا آخر، نظرا إلى أن رحيله عن البيت الأبيض قريب، إذن أكيد أنه على يقين أنه أكثر رئيس أميركي استعدى العالم حضارات دول، انطلاقا من عمليات الغزو والاحتلال التي قام بها باسم الولايات المتحدة الأميركية في وقت، يدّعي فيه الاميركيون بحزبيهم الأساسيين، أنهم حملة لواء نشر الديمقراطية.
لكن الأوكد من هذا وذاك، أن بوش متأكد من أنه لا يقول الواقع ولا الحقيقة، حين يدّعي في اللقاء الذي خصّ به قناة «العربية» أنه استنفد قبل غزو العراق، كل الطرق الديبلوماسية، محمّلا صدام مسؤولية ما حصل.
والحقيقة، ما بالعهد من قدم، فكلنا يتذكر كيف تملّكت بوش الرئيس ورامسفيلد الوزير و»رايس» المستشارة و «وولفويتز» وتشيني، روح الحرب والاعتداء واستعمال اعتى السلاح... كان ذلك في العراق وكذلك في أفغانستان...
لقد كان بوش وطاقمه السياسي، ضد العالم بأسره، والدليل، أن الولايات المتحدة حاربت واحتلت العراق، بلا قرار أممي، وخارج نطاق الشرعية الدولية. فعن أية طرق ديبلوماسية يتحدث بوش وجميعنا يتذكر كيف دُقّت طبول الحرب والأمم المتحدة في غفلة من أمرها... بل إن المفتشين الدوليين تحديدا الذين كانوا مكلفين بالفصل في مسألة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل من عدمه قد أمروا بمغادرة العراق قبل انتهاء مهامهم...
يحق للرئيس الأمريكي وقد تأكد العالم من عدم صدقية خطابه تجاه العراق وأفغانستان وفلسطين أن يلجأ إلى أسلوب الدعاية فأسلوب الدعاية السياسية هو جزء من البراغماتية السياسية الأميركية اليوم وهذا منطق ليس بغريب عن الامبرياليات والامبراطوريات التي تأتي المحظور وتغلفه بالشعارات الخلابة...
لكن الرئيس الأميركي بالغ في اعتماد أسلوب الدعاية هذا، حتى أنه وصل إلى حد غير مقبول...
فإذا ما زال بوش يعتقد أن ذهابه الى العراق، هو من أجل نشر الحرية في الشرق الأوسط، فهذا يعني أن الرئيس الأميركي، لم يتعظ بعد من الواقع. هذا الواقع، الذي جعل من القوات الأميركية العسكرية المحتلة للعراق، هدفا شرعيا ومشروعا للمقاومة وأن قدوم الأميركيين إلى العراق، لم يكن سوى وبالا على العراق وشعب العراق ودولة العراق.
وحتى لا ننزل إلى مستوى مناقشة الدعاية ومجادلة أهلها، فإننا لن نتساءل عن أية ديمقراطية وأية حرية هذه التي جعلت من العراق جحيما ومن الشعب العراقي شعبا مهجرا ومهددا في حياته... فإننا نقول،إن فرصة بوش في غسل أدران ما أتته دولته، وفق بصمته الشخصيّة، في العراق، قد انتهت. بل إنها أثّرت على أي نمط من أنماط التّحرّك الأميركي تجاه قضايا أخرى، ومنها أن لا طرف في الدنيا اليوم، يصدّق مقترح مؤتمر السلام حول فلسطين، لنوفمبر القادم، وهو مقترح الرئيس الأميركي، لأنّ الجميع، وانطلاقا من سوابق هذه الإدارة الأميركية، سيقولون بصوت واحد: إن في مقترح بوش لسرّ...
هذه لعبة المصداقيّة التي أخفق فيها بوش، وجعل الولايات المتحدة صورة وسياسة، تخفق فيها أيضا.
