لم يتجادل العالم على موضوع دائم وحيوي مثل الأمن، فهو حاجة أساسية يستحيل إغفالها ليس فقط في حيّز جغرافي واحد، وإنما بما يسمى بالأمن الإقليمي والعالمي، وقد شهدنا مراحل تحركت فيها الأساطيل وقاذفات القنابل البعيدة، والبوارج وغيرها عند أي صدام سياسي أو تحرك نحو منطقة حيوية لأي من دول الغرب مع الشرق، وحتى الدول الصغيرة، التي كانت لا تشكل أحداثها هواجس خطرة بدأت تعلن عن أسلوب آخر بخلق توترات أمنية، وقد رأينا ذلك في البلقان ثم غزو العراق وأفغانستان ويتجدد الآن في مناطق أخرى.
في الماضي القريب كانت التوترات تأتي من تقاسم النفوذ بين حليفيء وارسو والأطلسي لكنها بعد النهاية غير المتوقعة لخروج السوفيات من المعادلة السياسية والعسكرية، جاء من يروج لفكر أميركي جديد بنهاية التاريخ وصراع الحضارات، وبعد انفجار الإرهاب الذي تسببت به خلفيات قادها الغرب ضد الإسلام من خلال أفلام هوليوود، والإعلام المسيّس، وصورة العربي النمطية التي حولته إلى أحد أبطال ألف ليلة وليلة، ثم جاء النفط كقضية أخرى جعلت كاتباً شهيراً مثل "توماس فريدمان" أن جعل النفط عقدته وشيطانه الأكبر يأتي كجزء من حملات وضعت هذه السلعة الاستراتيجية عدواً كونياً للبيئة وتردي الإنتاج بسبب الدول المنتجة واحتكارها هذه السلعة ليصبح جزءاً من حرب العداوات.
لقد جرت مناقشات عديدة، وعُقدت مؤتمرات وندوات حول السلوك الأكثر إيجابية للتقارب والتقريب بين الثقافات ومسح الصور الثابتة عن العداء للدين الإسلامي، وكل ما يتصل بالتراث العربي لكن الجدية في هذا الاتجاه لم تصاحبها واقعية في الطرح وتعريف لأسباب الأزمات وتواصلها، والخوف من قطيعة تأتي ببديل أكثر خطورة بحيث تترك الساحة للإرهاب الذي لا يقف على حدود دين أو ثقافة، حين تستغله قوى وأطراف لها مصلحة مباشرة في تأجيج المشاعر والتلاعب بأحاسيس الشعوب، من المسلمين أو المتعصبين الغربيين.
أوروبا الأكثر وعياً وإدراكاً لمصالحها، ومن خلال منظمتها للأمن والتعاون، دعت لحوار حول التعصب تجاه المسلمين يعقد في أسبانيا، ومن حيث المضمون فهو أمرجيد، لكن كيف نحقق أهدافاً، ولو مرحلية، في إزالة الحواجز عن عمل يحمل فكراً عقلانياً لكل شعوب أوروبا والعالم الإسلامي، يحترم تواريخها وأديانها وحقوقها المشروعة، ليقف على عتبة هذا العصر الذي يحاول أن يتجاوز ماضي الحروب بكل أشكالها وألوانها المأساوية.
وحين نقول أوروبا، وتحديداً ما يربطها بالمنطقة العربية فإن أمنها يتحقق بتلاحم المصالح وعلى رأسها فهم طبيعة ما يجري الآن، حيث التعاون الاقتصادي الذي يفتح أبواباً للتنمية، التي تعتبر الوسيلة الأهم للقضاء على التخلف بأطيافه المختلفة وهو مهمة مشتركة، وكذلك الأمن السياسي، والغذائي وحتى العسكري فيما لو حدثت حروب تؤثر في وصول الطاقة، وانسياب السلع بين الدول، ثم إذا كانت المهمة الأمنية قضية لا ترتبط بوقت ولا تواريخ قابلة للتغيير، أو الإهمال فإن الأوروبيين بتواريخهم الحديثة والقديمة، أو حتى عندما انفردوا بالقوة واحتلوا المناطق العربية والإسلامية والجراح التي خلفتها الحربان العالميتان بسبب موقع المنطقة العربية وتأثيرها المباشر على إيقاع المعارك، وكذلك عندما أخذ الاتحاد السوفياتي مواقعه في مفاصل حساسة أثرت على موازين القوى من خلال توزيع القواعد على مراكز ذات بعد استراتيجي عسكري واقتصادي، هذه الصور المتراكمة ربما تدفع هذه الدول لأن تعيد موضوع الحوار على شراكة صحيحة ترتبط بالمصالح الطويلة، وعلى رأسها الأمن، الذي لا ترسخه الحروب ولا فوارق القوة، وإنما يرسخه السلام الذي يقرر الاستقرار والتعاون.
