«استغلال الوظيفة» أو المنصب عنوان سيئ لظاهرة متفشية في إدارات العالم العربي الذي هو جزء من عالم ما قبل التنمية ومجاملة يطلقون عليه العالم النامي، حتى لا يضاعفوا إحباطاتنا وشعورنا بالهزائم على كافة الأصعدة.

والإدارة في العالم العربي، والوظيفة الحكومية أو العامة تحديداً تعتبران مرتعاً خصباً للتعبير عن كافة الأمراض والعقد الإنسانية التي يحملها الموظف في داخله، وهذا ما يفسر الكم الهائل من الانحرافات والتدهور الذي يضرب في بناء وتكوين الإدارة العامة أو الوظيفة العامة، فأنت لو حاولت أن تعد سلبيات هذه الإدارة فسوف تعجز، ولو جئت تبحث عن الإيجابيات فسوف تتوقف عند الأرقام الفردية الأولى للعد!

وهذا ليس تجنياً أو تشاؤماً ولكنها الحقيقة التي نلمسها والتي تعبر عنها حالة التردي العام لأوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية ولأدائنا السياسي والعلمي والثقافي.

فمن يقوم بأعباء الشأن التعليمي والثقافي والاقتصادي والإعلام.. والخ في المجتمع؟ أليسوا موظفي الدولة الحكوميين أو العموميين؟ وبما أنهم بحكم الواقع والتكوين والتعليم إفراز لواقع متخبط فهم مثله ولذلك فأداؤهم لا يختلف عنه!!

ولذلك فنحن لا يجب أن نسأل: لماذا يستغل الموظف في العالم الثالث منصبه أو مميزات وظيفته؟ لأنه لو لم يفعل ذلك فلن يكون موظفاً عمومياً، علينا أن نسأل لماذا يتم اختيار هذا النوع من الموظفين للوظائف العليا في المجتمع؟

وكأنهم فرقة اختيرت بعناية كي تؤلف منظومة إدارية واحدة لا ينطبق عليها سوى وصف «الإدارة المتردية» وبدل أن تبحث الإدارة عن تطوير نفسها والارتقاء بأدائها وعطاء موظفيها سعياً لرضا الجمهور الذي أنشئت هذه الإدارة لأجله كما يحدث في بلدان الإدارة المتطورة، فإن ما يحدث في المدار العربي أو العالم الثالث أمر مناقض لذلك تماماً.

في الدول التي تعتبر القانون مرجعيتها الأولى وسلطتها الرئيسية يعامل الموظف الحكومي مهما كان مركزه كأي إنسان عادي إذا كان خارج وظيفته، بمعنى أنه يقف في الطابور حتى يأتي دوره، وقد رأيت ذلك في أحد أكبر مستشفيات العالم في الولايات المتحدة، عندما وقف أحد كبار الأطباء في طابور مطعم المستشفى دون أدنى محاولة من أحد لتقديم خدمة خاصة له أو أي محاولة منه لاستغلال منصبه. ومنذ مدة اعترض بائع الكتب على الرئيس كلينتون ورفض أن يبيعه الكتب لأن بطاقته الائتمانية كانت منتهية!

وفي بريطانيا احتج وزير الخزانة على المبلغ الضخم المخصص للملكة اليزابيث من الحكومة وطالب بتخفيضه لأنها استلمت أموالاً لا حق لها فيها في السنوات السابقة وهي من أموال دافعي الضرائب!

وعندما أراد رئيس الوزراء البريطاني السابق مقابلة رئيس إحدى الشركات طلبت منه السكرتيرة الانتظار فقال لها: ولكنني رئيس الوزراء، فأجابته ببساطة: ذلك في 10 داوننج ستريت (مقر رئاسة الوزراء البريطانية) وليس هنا يا سيدي!

في العالم الثالث يتحايل موظفو الدولة على الجميع ويمارسون تحت ستار وظائفهم مختلف أنواع الاستغلال والانحراف، ولقد تقززت من خبر نشر عن الرئيس الزائيري السابق موبوتو سيسي سيكو (أتحدث عنه باعتباره موظفاً حكومياً عاماً حتى وإن كان رئيساً، باعتبار الرئاسة منصباً وظيفياً وليس امتيازاً إلهياً) بأنه كان يضاجع زوجات وزرائه إمعاناً في إذلالهم ولأنه كان واثقاً بأن أحداً لن يقف في وجه سلوكه باعتباره الرئيس الذي لا ترد أوامره!!

ayya-222@hotmail.com