لا تخرج خطوة تكليف وكالة التحقيقات الفيدرالية الأميركية بالتحقيق في الجرائم التي ترتكبها الشركات الأمنية الخاصة عموما وشركة «بلاك ووتر» خصوصا في العراق عن إطار المفارقات المضحكة المبكية الجارية على قدم وساق في بلاد الرافدين منذ مقتل أول طفل عراقي جراء الحصار الأميركي الدولي الذي فرض على أبناء هذه الأرض المفعمة بالحضارة والعابقة بالتاريخ منذ مطلع تسعينات القرن الماضي.
المفارقة تكمن هذه المرة، والتي لن تكون الأخيرة طالما أن الاحتلال الأميركي جاثم على صدر العراق والعراقيين، في أن شركة «بلاك ووتر» الأمنية العملاقة والتي تعتبر القوة الثانية بعد القوات الأميركية النظامية من حيث التعداد (50 ألف مقاتل) هي المكلفة بحماية رجال التحقيقات الفيدراليين أثناء قيامهم بمهمتهم المرتقبة في العراق، الأمر الذي سينعكس بالضرورة على مسار التحقيق ونزاهته، هذا إذا سلمنا من حيث المبدأ بسلامة الحديث عن أي نوع من النزاهة في مقام من هذا القبيل، إذ ان المشهد برمته بكل هذه العناصر مجتمعة هو من إخراج جهة واحدة هي إدارة بوش، التي تعيث قتلا وفسادا وتخريبا وتقسيما وسلبا ونهبا في عراق لا تنقصه المظالم والمتاعب أصلا.
المشهد كله هو مجرد جزء بسيط من مسرحية تراجيدية ملطخة بلون الذهب الأسود الداكن المدفون في باطن الأرض وبلون الدم الأحمر القاني الذي يسيل بلا هوادة على سطحها، ذلك أن أحدا لا تخفى عليه قصة بلاك ووتر والدور القذر الذي تلعبه منذ بداية الحرب الأخيرة في العراق، فهل كان أمر التحقيق يحتاج إلى جريمة أخرى جديدة شقت طريقها بمحض الصدفة إلى وسائل الإعلام حتى يصار إلى تشكيل لجنة تحقيق؟ لكن ماذا عن آلاف الجرائم الأخرى التي ارتكبت ولا تزال بحق الأبرياء من أبناء الشعب العراقي.
ألم يشهد العالم مشاهد ساخرة من المسرحية ذاتها فيما يتعلق بجريمة عمليات القتل والتعذيب في سجن أبو غريب البغدادي وغيرها من جرائم الحرب تلك التي هزت ضمير الإنسانية جمعاء ولم تتعامل معها السلطات القضائية في الولايات المتحدة إلا على استحياء بحيث لم تتمخض أي محاكمة في تلك الجرائم إلا عن أحكام مخففة خجولة أحيانا أو البراءة في غالب الأحيان.
من يحقق مع من؟ ومن يحاكم من؟ باختصار، لا أحد. فكيف للجلاد أن يكون حاكما وكيف للقاتل أن يكون قاضيا؟
المطلوب واضح وضوح الشمس التي يحجبها الاحتلال الأميركي للعراق ويتمثل في تشكيل لجان تحقيق دولية مهمتها التحقيق في كل ما يمت لهذه الحرب المجنونة بصلة بدءا بمن طرح فكرتها الأولى في رأس الهرم السياسي الأميركي وليس انتهاء بأحد المرتزقة المنتشرين بقرار سياسي في جميع أرجاء العراق.
فالمسألة سياسية أولا وأخيرا والجرائم جرائم حرب بامتياز ولا يمكن تقزيمها والتعامل معها وكأنها جرائم مدنية فردية يرتكبها أشخاص بمفردهم على حسابهم الخاص.
إذا كانت جرائم أخرى أقل أهمية من الجرائم التي يرتكبها الاحتلال على أرض العراق بكثير مثل جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري قد استحوذت على كل هذا الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي، أفلا تستحق جريمة اغتيال شعب بأكمله تشكيل لجنة تحقيق دولية محايد ونزيهة وقادرة حقا على رد المظالم والاعتبار لناس لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا وترعرعوا في هذا المكان المنكوب من العالم.
أليس من الوقاحة بمكان أن يخرج رأس الحربة أداة الجريمة إلى العلن ويعرب عن شديد قلقه حيال التأخير في تشكيل محكمة الحريري الدولية والتدخل الأجنبي في الانتخابات الرئاسية اللبنانية، بينما لا يشعر بأي حرج من احتلال بلد آخر وتدميره عن بكرة أبيه؟
ربما كان من الأجدى بالنسبة الإدارة الأميركية أن تقوم بتكليف شركة تحقيق خاصة تضطلع بمهمة التحقيق مع مرتزقة بلاك ووتر، مجرمو الحرب في زمن طالت عمليات الخصخصة فيه كل شيء وفي عالم تتربع على عرشه شركات عملاقة لا جنسية لها لا تعرف الرحمة تتحكم بمقاليد الأمور بأنحاء متفرقة من العالم وتتصدر الصناعات الحربية، التي تبحث لنفسها دائما عن أسواق جديدة وقودها المزيد من الصراعات حول العالم.
href="mailto:bassi@albayan.ae ">bassi@albayan.ae