لا أحد من بين القوى الغربية الثلاث ـ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ـ يرغب في مخاطبة العوامل الجذرية لمشكلة إقليم دارفور السوداني. فالأقوال والأفعال بكل جوانبها الدبلوماسية والإعلامية محصورة في الوضع الأمني.

عند نهاية الأسبوع المنصرم تكلم الرئيس الأميركي الأسبق من داخل دارفور داحضاً الحجة الأساسية التي تعتمدها الولايات المتحدة كمرتكز لخطها السياسي الثابت تجاه الأزمة: «لا توجد إبادة»: هكذا أعلن جيمي كارتر على العالم.

وبكلمات أخرى فإن الإدارة الأميركية ظلت على مدى السنوات الأربع الأخيرة منذ اشتعال الأزمة تمارس الكذب الرسمي بادعائها أن الجيش السوداني وميليشيات الجنجويد يقترفون مذابح جماعية لا تتوقف على مستوى حرب إبادة شاملة تستهدف المدنيين من القبائل غير العربية في الإقليم.

الآن تنسف شهادة كارتر ـ الذي يحظى بمصداقية عالمية واسعة النطاق ـ مرتكز السياسة الأميركية من أساسه. وتنسف بنفس القدر ما يرد بانتظام في تقارير الإعلام الغربي التي يقوم على إعدادها العاملون في منظمات «الإغاثة» الغربية من لازمة إحصائية مفتعلة لا تتغير: 200 ألف قتيل و5,2 مليون من المشردين النازحين.

هدف التدليس الغربي من التركيز على الوضع الأمني عن طريق الكذب والتضخيم هو لفت أنظار العالم بعيداً عن الأسباب الجذرية للأزمة.

مشكلة دارفور تتلخص في تصارع على مصادر المياه الشحيحة بين قبائل الرعاة وقبائل المزارعين بصرف النظر عن الهوية الاثنية لأي منها.

الرعاة يريدون الماء لمواشيهم، والمزارعون يريدونها لمتطلبات الري. ولأن الموارد في الإقليم محدودة فإنه تقع بالضرورة احتكاكات، تتطور من حين لآخر إلى اشتباكات قتالية.

لماذا إذن سفه قادة الغرب المشروع المقترح من فاروق الباز.

الباز عالم جيولوجي وفضائي بمستوى عالمي. وقد توصل مؤخراً إلى اكتشافات في أراضي دارفور تثبت أن هناك بحيرة عملاقة جوفية تحت أرض الإقليم، هي من الضخامة بحيث توفر موارد مائية لأهل دارفور جميعاً بأضعاف مضاعفة، ومشروع هذا العالم العربي العالمي يقضي بحفر عشرات الآبار العميقة استثماراً للبحيرة الجوفية الواقعة في شمال الإقليم.

في انتقادهم للمشروع من منطلق سياسي قال المسؤولون الغربيون إن الشمال الدارفوري صحراء غير مأهولة، فما هي إذن فائدة المشروع؟

رد الباز كان جاهزاً: مد خطوط أنابيب من الشمال إلى أنحاء دارفور الأخرى.

لكن القوى الغربية لا تريد حلاً علمياً حاسماً لمشكلة دارفور. عوضاً عن التفكير في توفير الماء فإن اهتمامها ينحصر في إرسال قوة عسكرية أجنبية إلى الإقليم.

ثم ماذا؟

تكون مهمة القوة الأجنبية غير المعلنة القضاء على قوات الجيش الحكومية وميلشيات القبائل العربية ومن ثم تسليم السلطة في الإقليم لقادة منظمات التمرد الذي ينتسبون إلى القبائل الإفريقية.

ثم ماذا؟

ربما فصل دارفور لتحويلها إلى «إسرائيل» افريقية. وإلى حين إشعار آخر لن نسمع من المسؤولين الغربيين سوى عبارات عن «فرض عقوبات» على الحكومة و«تجهيز القوة الهجين» و«فظائع الجنجويد» (أي ميلشيات القبائل العربية) إلخ. وهكذا ضاع صوت فاروق الباز.