لم يأت «قرار مجلس الشيوخ الأميركي «الخميس 2007/9/27» غير الملزم حول خطة لتقسيم العراق» إلا تتويجا لجملة كبيرة من الوثائق والدعوات الأميركية والإسرائيلية لتقسيم العراق طائفيا مذهبيا وعشائريا، باعتبار ذلك الوسيلة الوحيد التي قد تمكنهم من إنهاء العراق العربي العروبي والسيطرة عليه وعلى مقدراته وتصفية دوره في المنطقة إلى ابد الآبدين، وتبين ذلك بوضوح حينما اعتبره - اي التقسيم - المدافعون عنه:
الحل الوحيد للخروج الأميركي من المأزق العراقي، وموافقة مجلس الشيوخ بأغلبية 75 صوتاً مقابل 23 على مشروع التقسيم يبين لنا إلى أي حد شبه الإجماع الكونغرسي الأميركي على تقسيم وتدمير وإنهاء العراق، ويبين الى اي حد يتجاوب الكونغرس الأميركي أيضا مع المخططات الإسرائيلية التي في صميمها تدمير وتقسيم العراق.
نقول: لم يأت القرار يتيما وأحادي الجانب، فهناك بلدوزرات أميركية ـ إسرائيلية مشتركة تعمل مباضعها على مدار الساعة في الجسم العراقي بغية تقسيم وتفكيك العراق.
كما لم يأت القرار يتيما من قبل الكونغرس الأميركي، اذ ان لذلك الكونغرس سجلا اسود مفتوحا ضد فلسطين والعراق والعرب عموما.
فمنذ البدايات، لم يكن العدوان الأميركي - البريطاني على العراق كما ثبت عبر كمٍ هائل من الوثائق إلا مبيتاً ومحضراً له، وتقف وراءه ليس فقط أهداف استراتيجية أميركية، بل وهذا الأبرز أهداف استراتيجية إسرائيلية، وأهداف توراتية تتعلق بـ «أرض إسرائيل الكاملة من النيل إلى الفرات»، وأهداف عسكرية أمنية تتعلق بإزالة التهديدات الاستراتيجية لوجود «الدولة الصهيونية»، وتتعلق بفرض الهيمنة والأجندة السياسية الإسرائيلية على المنطقة.
وفي إطار هذه الرؤية تحديداً، تقع تلك النوايا والمخططات الأميركية - الإسرائيلية المشتركة الرامية إلى تقسيم العراق وتحويله إلى دويلات طائفية واثنية وسياسية موالية، وكمْ الوثائق والخطط التي تتحدث عن تقسيم العراق وأهداف التقسيم لا حصر لها.
وفي هذا الصدد أكدت الدكتورة هدى النعيمي مسؤولة مركز الدراسات الفلسطينية في جامعة بغداد أن الكيان الصهيوني يعتقد أن تقسيم العراق سيؤدي إلى تقسيم الدول العربية المجاورة وفي الصدارة سوريا والسعودية.
وكانت المصادر الإعلامية الإسرائيلية كشفت حقيقة كبيرة صارخة وهي أن فكرة تقسيم العراق لأربع ولايات مستقلة هي فكرة إسرائيلية، تقدم بها وفد إسرائيلي للإدارة الأميركية من أجل تعزيز الاستقرار في العراق من جانب ومن جانب آخر لإضعافه من ناحية التحرك الخارجي مستقبلاً، اذ كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية النقاب عن «خطة لتقسيم العراق إلى أربع ولايات على أسس جغرافية وعرقية وطائفية».
وقالت الصحيفة «أن اجتماعاً ضم ممثلين عن الإدارة الأميركية للعراق ومدير التخطيط في السفارة الأميركية في بغداد، وعدداً من الخبراء الأميركان عرض فيه على الطرف العراقي تقسيم العراق إلى أربع ولايات وأقاليم لكل واحدة منها برلمانها المحلي الخاص وموازنتها المستقلة وإدارة شؤونها الداخلية، فيما ترتبط جميعاً بالإدارة المركزية في قضايا الدفاع والأمن والخارجية والنفط والإعلام».
وأشارت الصحيفة إلى أن الأقاليم المقترحة هي «ولاية وإقليم الشمال ويضم كركوك والموصل وتكريت وأربيل والسليمانية ودهوك وسيكون المركز الإداري لها الموصل، وإقليم الوسط ويضم بغداد والرمادي والكوت وديالي ويكون مركزها بغداد عاصمة الفيدرالية العراقية، وإقليم الفرات، ويضم الحلة والديوانية والنجف وكربلاء ويكون مركزها الإداري النجف، وإقليم الجنوب، ويضم البصرة والعمارة والناصرية والسماوة، ويكون مركزها الإداري البصرة».
ولعل الدعوة التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر لتقسيم العراق إنما تبين لنا كذلك عمق النوايا والمخططات التفتيتية المبيتة ضد العراق والعرب، فقد أعلن كيسنجر في حديث لشبكة سي ان ان: أنه لا مصلحة لأميركا في إبقاء العراق موحداً، ومن الأفضل أن نترك كل مجموعة اثنية متنافسة تشكل حكومتها الخاصة، والأرجح انه كان يقصد أنه لا مصلحة لإسرائيل في بقاء العراق موحدا...!
وفي إطار الفكرة التقسيمية كانت مجلة «نيويوركر» الأميركية نشرت من جهتها تقريراً للصحافي الشهير سيمور هيرش أورد فيه معلومات خطيرة عن تعاون كردي- إسرائيلي في شمال العراق يهدف إلى تقسيم العراق، ويكشف هيرش النقاب عن:
وجود خطة إسرائيلية لبناء قوة عسكرية كردية قادرة على قهر الميليشيات الشيعية في العراق وإقامة قاعدة في إيران للتجسس على المنشآت النووية الإيرانية، وعلى أن الوجود الإسرائيلي في كردستان من اجل تقسيم العراق والتجسس على إيران، وإثارة الاضطرابات في سوريا وتركيا، وعن أن إسرائيل تدرب الأكراد على اختراق حركات التمرد الشيعية والسنية وجمع المعلومات عنها وقتل قيادييها.
وأكدت المصادر التركية من جهتها وجود خطة أميركية - إسرائيلية للسيطرة على شمال العراق وتقسيم العراق، اذ أوضحت صحيفة يني شفق التركية الناطقة بلسان حزب العدالة والتنمية الحاكم مبكرا: أن هناك خطة أميركية إسرائيلية مشتركة لتنفيذ استراتيجية مشتركة للبلدين في المنطقة، وأكدت الصحيفة أن إقدام رجال الأعمال الإسرائيليين على الاستثمار وشراء أراضٍ في منطقة شمال العراق يأتي نظراً لأن واشنطن وتل أبيب تريان أن الأكراد هم الطرف الذي يمكن أن يحقق لهم حماية أهدافهم الاستراتيجية المرسومة في المنطقة.
وكشفت مصادر دبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع النقاب من جهتها عن أن أنصار إسرائيل الناشطين في الإدارة الأميركية يسعون سراً لتقسيم العراق.
وأضافت المصادر الأوروبية قائلة: يؤيد هذا التيار التقسيمي بصورة غير معلنة مسؤولون مدنيون في وزارة الدفاع الأميركية ودوائر أخرى وأعضاء في الكونجرس من الحزبين وشخصيات سياسية وإعلامية وفكرية مؤثرة تعمل في مؤسسات مهمة ومن بينها المؤرخ برنارد لويس، ويؤيد هذا التيار تحويل العراق إلى اتحاد فيدرالي في مرحلة أولى تمهيداً لتقسيمه وتفكيكه، ويركز في حملته على أن تحقيق ذلك لن يكون أمراً استثنائياً وشاذاً في تاريخ الأمم، إذ أن التاريخ شهد انهيار وتفكك دول عدة كان آخرها الاتحاد السوفييتي وكذلك يوغوسلافيا.
وقد تقبل المجتمع الدولي هذا الأمر الواقع الجديد بشكل طبيعي، ويدعو هذا التيار التقسيمي إدارة بوش إلى التخلي تدريجياً عن دعم وحدة العراق والعمل على إيجاد الظروف الملائمة داخلياً وخارجياً لتقسيم البلد إلى ثلاثة كيانات : الكيان الشيعي في الجنوب والكيان السني في بغداد والوسط والكيان الكردي في الشمال الذي سيضم أيضاً الآشوريين والكلدان والتركمان.
وكشف المحلل العسكري الإسرائيلي المعروف اليكس فيشمان النقاب عن تقرير خطير يفضح المخططات الأميركية- الإسرائيلية تجاه العراق، يلقي الضوء على النوايا المبيتة لدى الدولتين، وجاء فيه: إن رؤية البنتاغون تعتبر أن العراق يشكل هدفاً تكتيكياً لكنه مجرد البداية، والسعودية هي الهدف الاستراتيجي، بينما مصر هي الجائزة الكبرى، وفلسطين هي إسرائيل، والفلسطينيون- يستطيعون تحقيق طموحهم الوطني في الأردن «الوطن البديل».
وفي الجوهر والصميم نوثق ان الرئيس بوش أطلق حتى الآن أكثر من عشر خطط لتقسيم العراق، ولكنها عمقت المأزق الأمني الأميركي هناك.
ان الحقيقة الكبيرة المقروءة في المشهد العراقي ان كل الخطط الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية تتكامل في الحاصل الاستراتيجي وترمي فيما ترمي اليه الى تقسيم العراق وخلق دويلات طائفية وغير ذلك من خرائط سايكس بيكو الجديدة، عبر تعميق وإذكاء نيران الحرب بين السنة والشيعة وبين المذاهب المختلفة، وتوظيف هذه الكارثة في خدمة المشروع الاستراتيجي الأميركي ـ الإسرائيلي المشترك.
وليتبين لنا في الخلاصة المكثفة لهذا الكم النوعي من الوثائق والخطط الأميركية - الإسرائيلية المبيتة ان كل بلدوزرات التآمر والهدم والتدمير تعمل معا وتتكامل في تجريف عروبة ووحدة العراق العربي، ولكن في ظل غياب وتغييب عربي مذهل صاعق لا يصدق في هذا النطاق.
كاتب فلسطيني
href="mailto:nawafzaru@yahoo.com">nawafzaru@yahoo.com