كرّست المحكمة الاتحادية العليا مبدأ قانونيا مهما عندما قضت بإلغاء قرار صادر عن مجلس الوزراء بإحالة أربعة موظفين بوزارة العمل إلى التقاعد، مؤيدة بذلك الحكم الذي سبق لمحكمتي أبوظبي الابتدائية والاستئنافية أن أصدرتاه، رافضة الطعن المقدم من مجلس الوزراء ضد الموظفين الأربعة كما جاء في الخبر.

وتقول التفاصيل إن الموظفين الأربعة الذين انتصر القضاء لهم كانوا قد اعترضوا على قرار مجلس الوزراء رقم (651/29م) لسنة 2005 بإحالتهم إلى التقاعد، ورفعوا شكواهم ضد المجلس ممثلا بإدارة قضايا الدولة في وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف آنذاك، وضد وزير العمل والشؤون الاجتماعية (في ذلك الوقت) بصفته الشخصية.

وكانت محكمة الاستئناف قد قالت إن قرار إنهاء خدماتهم بالإحالة إلى التقاعد غير قانوني، وقضت بإعادتهم إلى وظائفهم في الوزارة وصرف كافة مستحقاتهم المالية من تاريخ صدور قرار إنهاء خدماتهم في 12 ديسمبر 2005 مؤيدة ما استند عليه الدفاع في القضية من أن الإدارة الحكومية يجب أن تستند لإنهاء خدمات موظفيها إلى سبب قانوني من الأسباب التي وردت على سبيل الحصر في المادة 90 من قانون الخدمة المدنية الاتحادي رقم 21 لسنة 2001. ولا يجوز للإدارة أن تأتي بأسباب جديدة لم ينص عليها القانون وإلا اعتبر القرار غير قانوني.

تقول المادة 90 من قانون الخدمة المدنية رقم 21 لسنة 2001 إنه يجوز إنهاء خدمات الموظف العام لأسباب منها بلوغ سن التقاعد 60 سنة، أو عدم اللياقة الصحية للخدمة، أو سقوط جنسية الدولة عنه، أو سحبها، أو الحكم عليه بعقوبة في جناية أو جريمة مخلة بالشرف والأمانة، أو الفصل من الخدمة بقرار تأديبي، أو العزل بحكم قضائي، أو الوفاة.

قرار إعادة موظفي وزارة العمل الأربعة إلى وظائفهم وصرف مستحقاتهم المالية من تاريخ صدور قرار إنهاء خدماتهم ليس هو الأول من نوعه، فقد سبق لمحكمة أبوظبي الابتدائية أن أصدرت حكما أيدته محكمة الاستئناف أيضا بإعادة ستة تربويين مواطنين للعمل بعدما صدر قرار من وزارة التربية والتعليم بإحالتهم إلى التقاعد في يوليو 2002 بعد أن رفعوا دعوى قضايا طالبوا فيها بإلغاء القرار وما ترتب عليه من آثار وصرف كامل مستحقاتهم من تاريخ إحالتهم إلى التقاعد وحتى عودتهم فكان لهم ما أرادوا بقرار المحكمة التي أقرت حقهم في هذا.

ربما يكون الستار قد أسدل على قضية موظفي وزارة العمل الأربعة والتربويين الستة بصدور هذه الأحكام القضائية التي أنصفتهم وأعادت إليهم كرامتهم وحقوقهم، لكن ثمة جوانب ما زالت بحاجة إلى إبقاء الستار مفتوحا لتسليط الضوء عليها كي نستخلص منها العبر والدروس التي نسترشد بها حتى لا تتكرر مثل هذه المواقف والقضايا التي أكدت استقلالية ونزاهة القضاء وتطبيقه لأحكام القانون بغض النظر عن أطراف الدعوى، كما أظهرت تقبل الحكومة لحكم القضاء حتى لو كان في غير صالحها، الأمر الذي يحسب لصالح الحكومة ويعكس الشفافية التي تتمتع بها، وهو ما أكده دفاع المدعين بعد صدور هذه الأحكام التي أخذت طريقها إلى التنفيذ.

هذه الإيجابية تقابلها على الجانب الآخر سلبيات كشفت عنها هذه القضايا وأمثالها، تتمثل في تعسف بعض الجهات الحكومية باستخدامها للإحالة إلى التقاعد وسيلة وسلاحا للتخلص من بعض موظفيها دون النظر إلى كفاءة هؤلاء الموظفين ونزاهتهم وتاريخهم الوظيفي، بدليل أن المحاكم التي نظرت في قضية هؤلاء الموظفين المحالين إلى التقاعد - بمختلف درجاتها - لم تجد في سجلاتهم مسوغا واحدا لهذا القرار يستند عليه الادعاء.

وإلا لكانت قد قضت برفض دعاواهم ونفاذ القرارات الوزارية، ولما كانت قد حكمت بإعادتهم إلى العمل مع صرف كافة مستحقاتهم. الأمر الذي يطرح السؤال حول حق المسؤول وحقوق الموظف، ومدى الفصل بين عدم استلطاف المسؤول للموظف وبين كفاءته وأدائه اللذين يجب أن يكونا الفيصل في الأمر بحيث لا يضام موظف في عمله بسبب عدم استلطاف مسؤوله له، أو بسبب رغبة المسؤول في تشكيل الدائرة المحيطة به من الموظفين وفق معايير تخضع لقاعدة (أهل الثقة) الذين يتقدمون على (أهل الخبرة) في هذا المجال، الأمر الذي يكرس مبدأ الشللية والدوائر المغلقة التي لا يمكن اختراقها، ويهمِّش أو يلغي بعض الخبرات التي يجب الاستفادة منها. كل هذا على حساب جودة الأداء التي يجب أن تكون هي المعيار الرئيسي في عملية الإبقاء والإقصاء هذه إذا كان لا بد منها.

فإذا ما انتقلنا إلى جانب آخر من الصورة وجدنا أن إجراء مثل هذا لا يصب في صالح التوطين الذي ينادي به الجميع على منابر الإعلام المختلفة ولا نجد له أثرا واضحا على أرض الواقع الذي تعكسه زيادة معدلات البطالة بين المواطنين من مختلف الفئات، إذ لا يعقل أن تصب قرارات إحالة المواطنين الذين هم على رأس وظائفهم إلى التقاعد دون وجه حق ولا مسوغ قانوني في صالح تقليص هذه النسبة، بل إنها تفاقم من المشكلة وترفع من هذه المعدلات، خاصة بعد أن أثبتت التجارب أن بعض من يحل في هذه الوظائف هم من غير المواطنين.

ولا يخفى على الجميع النداءات المتكررة التي يطلقها المسؤولون في هيئة المعاشات بين حين وآخر حول خطورة مسألة التقاعد المبكر الذي تحول إلى ظاهرة أصبحت تشكل عبئا ماديا على ميزانية الهيئة، ناهيك عن إهدارها لطاقات الوطن وإمكانات شبابه الذين وجد الكثيرون منهم أنفسهم متقاعدين وهم دون سن الأربعين دون أسباب منطقية.

في ظاهرة غير مسبوقة لا نجد لها مثيلا في المجتمعات الأخرى ولا حتى الدول المجاورة لنا. تؤكد ذلك الأرقام التي يتحدث عنها مسؤولو الهيئة الذين بحت أصواتهم وهم يطالبون بوضع حد لهذه الظاهرة، معترفين بأن حلها ليس في أيديهم وإنما في أيدي جهات أخرى لا نعتقد أنه يخفى عليها حجم المشكلة وتداعياتها وآثارها المادية والاجتماعية على الوطن وأبنائه.

وبعد هذا كله وقبله كيف يستطيع الموظف أن يشعر بالأمان وسيف الإحالة إلى التقاعد معلق فوق رأسه، يمكن أن يطاله في أي وقت دون وجه حق أو سند قانوني كما ثبت من القضايا التي نظرتها المحاكم؟ وإذا كان هؤلاء الموظفون العشرة - وربما عدد قليل مثلهم - لم يسلِّموا بقرار إحالتهم إلى التقاعد، ووجدوا في أنفسهم الشجاعة الكافية للجوء إلى المحاكم كي تعيد إليهم حقهم، فإن عددا كبيرا غيرهم قد آثر السلامة واستسلم لقدره فلم يعرف الطريق إلى المحاكم إما تهيبا وحرجا من مقاضاة الحكومة، أو جهلا بحقه في ذلك، أو يأسا من الحصول على هذا الحق، أو إحباطا.

أسئلة عديدة تطرحها مثل هذه الأحكام وتدعونا إلى دراسة هذه الظاهرة بكل جوانبها كي لا يستخدم البعض الإحالة إلى التقاعد عقاباً أو سلاحاً دون رخصة عندما تعوزه الوسائل القانونية للتخلص ممن يريد التخلص منه فيفقد القانون هيبته ويضطر إلى استعادتها بحكم القانون أيضا.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com