كاتب إماراتي ما قرأت خبراً أو تقريراً عن محاكمة، تجري أحداثها هذه الأيام في عالمنا الإسلامي عامة، والعربي خاصة إلا قفزت إلى ذاكرتي محاكمة عمرها ست وثلاثون سنة، وهي واقعية الأحداث والشخوص، حقيقية الاتهام والدفاع والحكم.
في العام 1971 كان (حرحوش) الطالب الإماراتي الوحيد في تلك الكلية، وكانت بعثته على حساب حكومة أبوظبي قبل قيام الاتحاد. وفي مدينة ليدز الصناعية دائمة التجهم لكثرة مصانعها التي تقذف أطناناً من الدخان كل يوم، ولأن الغريب لا يجد فيها متنفساً يسري عن كربة الغربة.
ولهذا كان (حرحوش) يتطلع بفارغ الصبر إلى عطلة نهاية الأسبوع، ليسافر إلى لندن، فيلقي فيها من الإماراتيين من يسامره ويحاوره، ويسري عنه وعن نفسه اكتئاب الاغتراب، علماً أن الطلاب الإماراتيين في بريطانيا ذلك الزمان كانوا من القلة، بحيث أن اللقاء بأحدهم يصبح غاية مثلى بالنسبة له!
كان يوم الأحد في انجلترا بصورة عامة يوماً كسولاً ملولاً، يتثاءب فيه الفراغ، ويتمطى الزمن قبل أن تتحرك ثوانيه بطيئة متثاقلة. وفراغه القاتل يملؤه الانجليز بحضور القداس في الكنائس، أو بالإخلاد إلى الراحة بعد أسبوع من العمل الجاد الشاق، ويملؤه أمثال (حرحوش) من الأغراب بقراءة الصحف، ولهذا اشترى صحف الأحد ليقف على أخبار السياسة وأوضاع الاقتصاد، وطرف الحياة الاجتماعية.
أدهشه في ذلك اليوم أن الصحف كلها كانت مصدرة بعنوان كبير واحد، معناه (تحيا العدالة). خيل إليه وهو يقرأ العنوان أن تحته قضية كبرى، فأرسل الطرف فيما دونه، وهو يمني نفسه بقراءة وقائع محاكمة خطيرة تتعلق بخلاف سياسي، أو شركة ضخمة، أو عصابة مجرمة، لكنه لم يجد شيئاً من ذلك كله.
كل ما وجده ـ وهو على بساطته عظيم الدلالة ـ أن الشرطة ألقت القبض على مومس سوداء تحترف البغاء علانية في حي من أحياء لندن، لا يجيز القانون ممارسة هذه المهنة المرذولة فيه، ومن المعروف أن القانون الانجليزي قد خصص لبائعات الهوى أماكن تباع فيها الأجساد علانية وتحت حماية القانون. والذي حمل الشرطة على إيقافها مزاولة الدعارة في مكان لا تجوز مزاولتها فيه. فالتهمة مخالفة المكان لا ممارسة البغاء.
تتمة القضية أن الشرطة قادت البغي السوداء إلى محكمة يحكم فيها قاض فرد، والمحكمة في منطقة من أقدم الأحياء اللندنية تسمى (وستمنستر) وفيها أعرق المحاكم والدوائر القضائية، وأعرق مبنى برلمان في العالم، ونقل المرأة إلى هذه المحكمة دليل على أن الشرطة كانت حريصة على أن توفر للعاهر كل أسباب الحماية والعدالة.
اعترفت الأمة السوداء بالبغاء، ولكنها شفعت الاعتراف بحجة لا يستطيع أكبر المحامين أن يدلي بأقوى منها، وهي أنها لم تحترف الدعارة للتجارة، وإنما احترفتها للحاجة الملحة، والفقر المدقع، والمسؤولية الإنسانية القاهرة.
وفي اعترافها ودفاعها ذكرت أنها اضطرت إلى ممارسة الدعارة في غير المكان المخصص لها لأنها تقطن في حي فقير بعيد عن الأحياء الداعرة، وأن ما تكسبه لا يفي بأجرة القطار الذي ينقلها إلى الأحياء المخصصة، وأنها بسوادها ودمامتها لا تستطيع أن تنافس الفاتنات البيض والشقر اللواتي احتكرن أسواق الأحياء المترفة مثل حي «سوهو» و«باركلي لين».
أعجب القاضي بصدق المومس السوداء وصراحتها، فمضى يسألها ليحكم على بينة، أو يجد ما يخفف به الحكم، فأجابت بأنها تعول ولداً حملته سفاحاً من رجل تخلى عنه، وأن عاطفة الأمومة ـ وهي أقوى العواطف الإنسانية ـ حملتها على أن تبيع جسدها لتحمي ولدها.
فأيهما أقرب إلى الرحمة أن تربي ابن الحرام بالمال الحرام، أم أن تلقيه بين براثن الموت، أو في طريق الضياع؟ لقد وزن القاضي المسألة بميزان الرحمة لا بميزان القانون، وبشريعة الإنسان لا بشريعة الغاب، فرأى أن مخالفة القانون الموضوع أهون من مخالفة العواطف الإنسانية فحكم بما يلي:
1- تمنع المدعوة فلانة من مزاولة البغاء في الحي الذي تقطن فيه ويسمح لها بمزاولة مهنتها في المناطق التي حددها القانون.
2- يغرم صندوق الضمان الاجتماعي وبأثر رجعي كل ما أنفقته المرأة على وليدها منذ خروجه إلى الحياة، ويكلف الصندوق برعاية الولد حتى يبلغ السن القانونية أسوة بمواطني المملكة المتحدة.
أغلق ملف القضية منذ ثلث قرن، لكن صداها لما يزل يتردد في مسمع (حرحوش)، وسيظل يتردد ما عاش، لأنه كلما نظر في وقائع محاكمة من المحاكمات التي تجري في وطننا العربي الكبير، ووطنا الإسلامي الأكبر تساءل: أين نحن من عدالة كهذه العدالة؟ وأين محاكمنا من أحكام كهذا الحكم؟ ولماذا غاب عنا وعن عالمنا من كان يرى نفسه مسؤولاً عن الذمي إذا شاخ وعجز عن الكسب، وعن الشاة العاثرة في أقصى الأرض؟
إن كل ما نحسنه اليوم هو أن نفخر بالأمس، ونتغنى بالعدل والمساواة، ونباهي بالتاريخ، ثم يبقى ذلك كله كلاماً يردد، وشعاراً يرفع، ولا يتمثل في شيء منه خلقاً سوياً.
لقد استطاع الغربيون بقانونهم الوضعي أن يتجاوزوا حاضرنا القضائي، وعجزنا بقانوننا الإلهي الأعدل والأكمل أن نطبق شيئاً من عدله وكماله، لأننا تخلينا عن جوهر الشريعة، واكتفينا بالظاهر، وأهملنا اللباب، وقنعنا بالقشور، وتركنا السير علي المنهاج الواضح، فنهجنا الوعر كأننا لم نقرأ قوله تعالى: « وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».
ومن المؤسف أننا عندما أخذنا بالقانون الوضعي الغربي بهرنا شكله، وغاب عنا جوهره، فوقعنا في الوهم والتوهّم، ومن ثم التخلف على كل صعيد، وانصعنا لما يتقول به المشعوذون ويتشدق به أهل زواج المسيار، وزواج فرند، وسائر فقهاء التمائم الذين تزخر بهم فضائياتنا ليل نهار.
