سخاء واشنطن في الكلام الطيب والخطوات التكريمية والتقديرية للإسلام وللمسلمين في الولايات المتحدة كان ملفتاً؛ في الأيام الأخيرة تدفقت من كل صوب عبارات الاحترام والاعتراف ومفردات التواصل والحوار؛ باتجاه المسلمين بشكل خاص من البيت الأبيض والكونغرس؛ وبصورة متزامنة ومتناغمة، خطاب كان يتردد شيء منه بين الحين والآخر وخاصة خلال شهر رمضان، لكن هذه السنة كانت غزارة هذا الخطاب ملحوظة، وبدا من لهجته أنه يهدف لتحقيق عدة أغراض تتراوح بين التطمين والترميم والتلميع.
الرئيس بوش خصّ قناة «العربية» بمقابلة، أفاض فيها بالحديث عن نظرته وموقفه من الإسلام والمسلمين، استحضر شريط خطواته في هذا الخصوص، منذ قدومه إلى البيت الأبيض؛ مشدداً على التذكير بأنه كان أول من قام بزيارة إلى مسجد واشنطن، في أعقاب انتخابه رئيساً.
كما أشار إلى مأدبة الإفطار التي يقيمها للجالية الإسلامية خلال رمضان، وآخرها كان أمس الأول؛ في البيت الأبيض. وقد حرص على التشديد بأنه ليس معادياً للإسلام كعقيدة ولا للمسلمين.
وأن هناك سوء فهم لحقيقة نظرته وقناعاته، وبالتزامن مع حديثه وأفطاره، تبنى مجلس النواب الأميركي مشروع قرار كان قد تقدم به مجموعة من ثلاثين نائباً بينهم النائب المسلم كيث إليسون؛ تضمن «الاعتراف بالدين الإسلامي كأحد أعظم الأديان في العالم؛ وكذلك «الاعتراف بقدوم شهر رمضان الشهر الإسلامي المبارك للصوم والتجدد الروحاني» مع التعبير عن «الاحترام للمسلمين في الولايات المتحدة الأميركية وحول العالم كله».
لقي هذا القرار ترحيباً واسعاً، من جانب مرجعيات إسلامية؛ الجالية العربية والإسلامية، في أميركا، ولا شك أن كلاماً من هذا النوع يترك أثره في ترطيب الأجواء كما في تطمين المسلمين الأميركيين.
على الورق ومن خلف الميكروفون وأمام الكاميرا هذه بضاعة جيدة وتوجه مطلوب. تبقى الترجمة على الأرض. فالمشكلة مع واشنطن ليست مسألة ود وكراهية. هي في الأساس والجوهر سياسية. انحيازها الكامل المتحامل إلى جانب إسرائيل وباقي سياساتها المجحفة في المنطقة، بل الفاقعة في سلبيتها؛ هي أصل الداء والعداء.
في الساحة الفلسطينية كما في احتلال العراق، تتبدى صورة هذه السياسة على حقيقتها التي تحمل شعوب المنطقة ـ ومن المنطقي أن تحملها ـ على النظر بعين الارتياب والخصومة للولايات المتحدة. احتضان إسرائيل على طول الخط وتوفير كافة ضروب الحماية والتفوق لها؛ على حساب الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية؛ هو المسؤول عن تنامي شعور التوجس والرفض في المنطقة لواشنطن.
وهو الذي أسس للنظرة السائدة لدى هذه الشعوب بأن أميركا إنما تعتمد مثل هذه السياسات وتقوم بغزو واحتلال العراق لأنها تضمر شراً لها بسبب هويتها ومعتقدها.
ولا شك أن الرئيس بوش كما الكونغرس وباقي المؤسسات الأميركية يدركون بأنه هنا يمكن النفور من الولايات المتحدة، وبالتالي من هنا يبدأ التصحيح، فأن يتحدث الرئيس الأميركي ورجال الكونغرس بلسان دافئ وبلغة التصالح مع الإسلام والمسلمين، هو أمر يدعو إلى الارتياح، لكن لابد للمعالجة من الذهاب إلى جذر أزمة الثقة. وهنا مربط الفرس، وهنا امتحان الصدقية. إن تطمين المنطقة وشعوبها لا يتحقق بالخطاب فقط، الإعراب عن احترام السلام والمسلمين ضروري لكنه ليس كافياً.. والمطلوب معروف.
