ربما كان فرح الألمان أكثر من أساهم بانهيار جدار برلين يوم 19 نوفمبر 1989. وقبل ذلك كان الثالث عشر من أغسطس هو اليوم التاريخي بالنسبة للشعب الألماني. ففي مثل هذا اليوم قبل 46 عاما (1961) بدأ بناء جدار برلين الذي فصل لمدة 28 عاما بين شطري المدينة ــ برلين الشرقية وبرلين الغربية، بين ألمانيا الشرقية والغربية وبين المنظمتين العالميتين الاشتراكية والرأسمالية.
ظل الألمان الشرقيون والألمان الغربيون 18 عاما يحتفلون سنويا بهذه الذكرى بشكل جعلهم يعتادون عليه كيوم وطني. أما في هذا العام فقد كان للاحتفال طعم آخر، أكثر مرارة. ففي احتفالات هذا العام أصرت قوى اليمين على زيادة الشحنة السياسية ــ الأيديولوجية المعادية لليسار.
قررت السلطات إعادة ترميم الجدار في ما سمي بتجاوب موظفي الدولة مع الاهتمام السياحي الكبير بواحد من أهم »بقايا الحرب الباردة«. وبالفعل كان كل سائح تقريبا »ينتف« من الجدار قطعة يحتفظ بها للذكرى. كان مقررا أن تبدأ أعمال الترميم في سبتمبر الفائت، لتنتهي قبيل يوم 13 أغسطس 2011 حيث تحل اليوبيلية الخمسين لبدء قيام جدار برلين.
ولم يكن في ذلك ما يثير كثيرا من الجدل رغم أن المشروع غالي الثمن. فقد رصدت له من قبل الدولة الألمانية، وحكومة أرض برلين (هذه التسمية ظلت متصلة منذ أيام ما كان يعرف بالأراضي الألمانية المجزأة قبل أن يوحدها بسمارك) والاتحاد الأوربي 11.6 مليون يورو.
غير أن ما أثار الجدل الحقيقي هو ما أخذ يروج له أيديولوجية المشروع من أن الهدف من وراء الترميم هو التذكير »بالماضي التاريخي القريب« ــ ضحايا جدار برلين وتقسيم المدينة إلى شطرين. بهذا يراد التذكير بأن هناك »ماضيا شيوعيا أسود« مرت به ألمانيا وأن ذنب بناء الجدار منسوب جمهورية ألمانيا الديمقراطية بشكل حصري. لكن كثيرا من المؤرخين يعرفون جيدا أن الأمر لم يكن كذلك بالضبط.
هناك حقيقة أخرى وهي أن استطلاعات الرأي العام الأخيرة في ألمانيا أظهرت انبعاث »اليساريين« واستمرار تزايد شعبيتهم بشكل مستمر. والفزع إزاء هذه الحقيقة، إضافة إلى تعاظم الدور الروسي على المسرح الدولي يدفع السلطات الألمانية إلى الوقوف أمام مد الشبح القادم باستخدام كل الأسلحة، بما فيها لجوء القوى المسيطرة إلى لي ذراع التاريخ وتطويعه. جرى الحديث عن اكتشاف وثيقة (مثيرة) نقلتها يد خفيفة من داخل الإدارة الحكومية لأرشيف وزارة أمن الدولة في ألمانيا الديمقراطية »شتازي« إلى وسائل الإعلام.
تحمل هذه الوثيقة الرقم 101 وتحوي أمرا بإطلاق النار على مخترقي الحدود الألمانية ــ الألمانية. وسرعان ما اتضح أمران: أولا، أن هذه الوثيقة مستلة من بين وثائق كثيرة أخرى تضمنتها قبل عشرة أعوام جنبات كتاب المؤرخ الألماني ماتياس يودت »تاريخ جمهورية ألمانيا الديمقراطية في وثائق«.
وثانيا أن هذه الوثيقة لا تحمل توقيعا. وبذلك فهي تضع قوى اليمين المسيطرة في ورطة أنهم لا يستطيعون على أساسها توجيه أي اتهام ضد خصومهم ممن بقي على قيد الحياة أو تحريك أية دعاوى قضائية في هذا الاتجاه.
وتضعف من أهمية هذه الوثيقة شكوك فولفجانج تيرزه، الرئيس السابق للبوندستاج (البرلمان الألماني) ورجل السياسة الشهير من الاتجاه الديمقراطي الاجتماعي (غير يساري) في برلين الشرقية من أن رجال الحدود قد طبقوا تعليمات كهذه. كما أكد إيغون كرينتس، وهو آخر زعيم للحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية لتابلويد Bild بأنه: لم يكن هناك أي أمر بالقتل، أو كما يسمونه أمر بإطلاق النار. وأنا أعرف ذلك جيدا بحكم تجربتي الخاصة. إن أمرا كهذا يتناقض وتشريعات ألمانيا الشرقية.
ورغم كون الحملة ضارية حقا، وأن »اليساريين« يصدون الهجوم وحدهم ضد سعي أيديولوجيي الرجعية كي يغيروا للألمان ذاكرتهم، إلا أن المنطق أخذ يرجح ما قاله الاشتراكي ونائب رئيس كتلة »اليساريين« في البرلمان الألماني (البوندستاج) بودو راميلوف لمطبوعة RBK daily ليس سوى عمل استفزازي مخطط له بحنكة لتبرير اعتماد ميزانية الدولة للصرف على مشروع الترميم وإثبات أن الشيوعيين هم أناس سيئون للغاية.
لكن راميلوف أطلق التحذير الأكثر أهمية. هذه المناهضة المسعورة ضد الشيوعيين قد تحمل على إغراء تبرير الاشتراكية القومية التي قامت عليها الأيديولوجية الفاشية الهتلرية، كبديل للشيوعية.
لقد انهار جدار برلين الذي كان حقا خطيئة كبرى وبمثابة تفاحة آدم التي أخرجته من الجنة. وبدأ في هذا العام ينهار آخر جدار في أوربا عزل منذ عام 1974 شطري قبرص اليوناني والتركي، حيث ظل شارع نيقوسيا ــ ليدرا الذي تتحرك على جانبية دوريات حراس حدود الوطن الواحد تفصلهم قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وظلت البيوت المهدمة الواقعة في المركز التاريخي على طرفي »الحدود« شواهد على انقسام وطن وشعب على مدى العقود الثلاثة الأخيرة.
كما شاهدنا في الأيام الأخيرة بداية انهيار الفاصل الوهمي بين شطري كوريا كبداية انفراج بينهما. وإذا كان ما يهمنا من دروس التاريخ هو عالم اليوم والمستقبل فلنا أن نتساءل: أي الأيديولوجيات قادرة الآن على توليد »جدران برلين حول العالم«؟
في الولايات المتحدة أقر مجلس الشيوخ الأميركي تخصيص 3 مليارات دولار لبناء جدار عازل على الحدود المكسيكية ــ الأميركية يبلغ طوله 1125 كلم بهدف منع أفواج المهاجرين غير الشرعيين من المكسيك. ومع أن الرئيس بوش أنه سيستخدم الفيتو ضد مشروع القرار حتى لو تمت المصادقة عليه من قبل مجلسي الشيوخ والنواب، إلا أن أعمال بنائه قد بدأت في أريزونا الجنوبية على مسافة 55 كلم بعد أن اعتمدت لها مبالغ أولية.
وقد فهم الرئيس المكسيكي القصد من وراء تنصل الرئيس بوش من فكرة الجدار العنصري العازل فأكد بأنها خطوة في حملة حزبه للانتخابات الرئاسية القادمة. وقارن بين هذا الجدار وجدار برلين قائلا بأنه ليس السبيل لحل المشاكل المتعلقة بالهجرة غير الشرعية.
الأيديولوجية الصهيونية هي الأقرب في العالم للإدارة الأميركية الحالية. وهي الأخرى تشيد جدار العزلة العنصري. وتؤكد السلطة الفلسطينية على آثاره السلبية بانخفاض معدل الدخل في فلسطين أكثر من 15% سنويا، وأنه يتسبب في زيادة البطالة ويحول دون تقديم القروض لما يسببه من عدم استقرار.
وينظر إليه مواطنون من داخل إسرائيل كنائب رئيس الكنيست الإسرائيلي ورئيس الحركة العربية للتغيير أحمد الطيبي بأنه تسبب في خسائر في القطاع الزراعي. وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في القدس فبسبب الجدار تضاعف عدد المحتاجين للمعونات الغذائية عشر مرات، وتضاعفت وفيات الأطفال حديثي الولادة 200%.
ونشهد هذه الأيام الترويج لمشروع تقسيم العراق بإقامة أكثر من جدار يعزل بين مكونات الشعب العراقي على أساس مذهبي وعرقي. انهار جدار برلين، لكن الأيديولوجيات اليمنية المتطرفة، خصوصا التي تدعي ارتكازها إلى الدين أو المذاهب الدينية ستبقى قادرة على توليد جدران العزلة والاشتباك بين بني البشر.
كاتب بحريني