حظيت حرب أكتوبر 73 التي نحتفل بذكراها الرابعة والثلاثين، باهتمام عشرات آلاف الكتب والأبحاث والمقالات، وكتب كثيرون عن الدروس والعبر التي تقدمها حرب حقق فيها العرب أول نصر لهم في التاريخ الحديث بعد هزيمة مرة في 5 يونيه 76، غير ان تلك الكتابات يبدو حتى اليوم انها لم تجد العقول التي تعي الدرس، او تستلهم تلك الروح التي وقفت وراء تحقيق النصر في ذلك اليوم الذي سطر فيه العرب صفحة ناصعة في تاريخهم.

باتت حرب أكتوبر مجرد ذكرى ربما لا يلتفت إليها البعض، أو لا تشكل سوى تاريخ من بين التواريخ التي يمر عليها المرء مرور الكرام، رغم ضخامة الحدث، إذا ما خضع للتأمل، واستدعيت تفاصيله الدقيقة، التي كانت حلقة في سلسلة طويلة من الجهد والعرق الذي صنع النصر في نهاية المطاف.

تأتي ذكرى حرب أكتوبر في ظل واقع عربي يدعو للرثاء، بعد ان بددت الأحداث والأيام ما مثل معجزة حقيقية بالمقاييس العسكرية، من عبور لأطول حاجز مائي على طول قناة السويس، إلى تدمير خط بارليف الذي اعتقد القادة العسكريون الإسرائيليون انه عصي على التحطيم، مرورا بالبطولات الجماعية والفردية، والتضامن العربي الذي كان الرافعة الحقيقية لتكلل كل الجهود بإلحاق الهزيمة بجيش متغطرس ظن انه فوق الهزيمة.

اليوم ونحن نستعيد ذكرى تلك الأيام، لابد وان نشعر بالمرارة والغصة في الحلوق مما آلت إليه أحوالنا، بعد ان تبددت العوامل التي قادت إلى تحقيق النصر.

فبلد بحجم العراق وثقله العربي، أصبح محتلا، وخاضعا لأهواء ورغبات الأميركيين الذين يسعون إلى تقسيمه تمهيدا لتفتيت المنطقة جزيئات، بحيث لا تقوم لها قائمة وللأبد. وسوريا التي خاضت الحرب إلى جوار مصر مهددة بهجوم إسرائيلي تسعى تل أبيب من ورائه إلى استعادة هيبة مرغت في تراب جنوب لبنان على يد مقاتلي حزب الله قبل عام.

أما مصر التي شكلت الدعامة الرئيسية في حرب أكتوبر فقد انكفأت على الذات بحكم مشكلاتها الداخلية، وبعد ان خرجت من معادلة الصراع بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.

والأخطر المحاولات المستميتة التي تحاول قتل أية رغبة لمقاومة المشروع الأميركي الصهيوني لفرض إسرائيل كقوة إقليمية وحيدة تأمر فتطاع، تضرب فلا تجد لها رادعا، تمضي في تنفيذ أجندتها من دون ان تسمع صوتا لاعتراض من هنا او هناك، في ظل غطاء أميركي غير مسبوق يتيح لها الفرصة تلو الأخرى لإملاء إرادتها على الآخرين الذين يقفون مكتوفي الأيدي أمام ما تصنع.

هل كان المقاتل المصري وشقيقه السوري الذي انطلق إلى ميدان القتال ظهر السادس من أكتوبر 73 يعتقد ان تضحياته، لجلب النصر، من الممكن ان تذهب سدى على هذا النحو الذي آلت إليه الأمور للأسف؟ وهل كان المواطن العربي الذي شكل سندا وظهيرا للجنود في تلك الأيام يعتقد ان يأتي اليوم الذي تضيع معه الأحلام في العزة والكرامة رغم كل التضحيات؟

تبخرت الإرادة التي وقفت وراء نصر أكتوبر، في أزقة وحواري الاستكانة وتسليم زمام الأمور لأميركا التي قال السادات ان بيدها 99% من أوراق اللعبة . وحتى الواحد في المئة المتبقي يبدو أن لاعبينا فشلوا في استغلاله لمصلحة شعوبهم وأوطانهم. والنتيجة هذا الضعف والتمزق الذي وصلنا إليه، وعدنا نجتر روح الانكسار كما لو أننا لم نعبر اكبر مانع مائي، ولم نلحق بإسرائيل الهزيمة التي اعترف قادتها بهولها صدمتها على جنودهم في الميدان وساستهم في الخطوط الخلفية.

غياب الإرادة السياسية اشد خطرا من الهزيمة العسكرية، وهو جوهر ما يعانيه العرب هذه الأيام، واستعادة تلك الإرادة شرط لتجاوز المأزق الذين نعانيه، ومفتاح الخروج من حالة التيه والضياع التي نشعر بها، وهنا تكمن أهم دروس حرب أكتوبر.