عبارة «تجار الحروب» تنطبق في هذا العصر أكثر ما تنبطق على جنرالات وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون»، هذه هي الحقيقة التي كشفتها أكثر من أي وقت مضى تداعيات حادث شركة «بلاك ووتر» في العراق، مغزى الحقيقة هو أن مجموعة جنرالات البنتاجون يطبقون مبدأ الخصخصة في الحرب بدوافع الحرب التجاري الذاتي.
في مقالة افتتاحية أوردت صحيفة «هيرالد تريبيون» الأميركية معلومات عن الحرب الدائرة في العراق وكيفية إدارتها تفيد بأن عدد المقاتلين الأميركيين التابعين لشركات أمنية أميركية خاصة يربو على 50 ألفاً، وبلاك ووتر التي تتولى مهمة حماية الدبلوماسيين الأميركيين في العراق هي إحدى هذه الشركات.. وقد سلطت عليها الأضواء مؤخراً بعد أن أطلق عناصرها النار عشوائياً على مدنيين عراقيين في أحد الشوارع فقتلت عشرة مواطنين بينهم طفل.
هذه الشركات وفرق المقاتلين المرتزقة التابعة لها تدخل ساحة الحرب لممارسة مهام قتالية محدودة بموجب عقود تبرمها معها وزارة الدفاع الأميركية.
والسؤال الذي يطرح هو: ما هي «الحكمة» من وراء تسليم مهام حربية هي في اختصاص وواجب قوات الجيش الأميركي؟، هذا السر كشفته هيرالد تريبيون.
كان من الواضح منذ بدء الهجمة الأميركية على العراق في عام 2003 أن حجم القوة البرية الغازية كان صغيراً، لم يكن ذلك خطأ في التقدير وإنما كان بناء على قرار عمد اتخذه وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد وكبار الجنرالات، لماذا؟
لكي يستطيع الوزير وجنرالاته أن يبرروا لاحقاً للسماح بدخول شركات أمنية خاصة بقواتها بموجب عقود مع الوزارة، إنها باختصار عملية تجارية ربحية.. إذا أدركنا أن الوزير وكبار الجنرالات هم إما أصحاب شركات أمنية أو يعملون لحساب شركات أمنية. وفي أي من الحالين فإن أباطرة البنتاغون يحرصون على المبالغة في رصد المبالغ المالية التي تخصص للعقود.
«هيرالد تريبيون» تطلق على العملية عبارة «خصخصة الحرب»، والعملية لها تاريخ، فقد كانت البداية إبان الحرب الأميركية في فيتنام التي امتدت لعقد زمني كامل من عام 1965 إلى عام 1975، حينئذ لم تكن تعاقدات البنتاغون تبرم مع شركات أمنية وإنما مع نوع آخر من شركات الخدمات بشأن مهام غير حربية كعمليات بناء أو تعهدات بتوريد مواد غذائية.
أما جديد اليوم المتمثل في خصخصة الحرب نفسها باستقدام شركات أمنية يملكها أو يعمل لحسابها الجنرالات فهي في ابتكار إدارة بوش.
قبل بضعة أيام أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أنه يرى أن العدد الكبير من الانتهاكات الموجهة لشركة بلاك ووتر «لا يجعلها مؤهلة للبقاء في العراق».
ولا شك أن جنرالات البنتاغون لم يسعهم إلا أن يضحكوا لدى مطالعتهم هذا التصريح، فأولاً هناك عشرات من الشركات الأمنية الأميركية من أمثال بلاك ووتر تعمل على الأراضي العراقية، وثانياً أن بلاك ووتر وأخواتها تعمل خارج القانون فهي تتمتع بحصانة قانونية ممنوحة من السلطة الاحتلالية الأميركية.
مصالح جنرالات البنتاغون فوق مصالح العراق والعراقيين. هذا هو معنى الاحتلال الأجنبي.