كأن خنجراً ينغرس في الصدر حين تقرأ تحقيقاً صحافياً يسأل مجموعة من الشباب عما يعنيه 6 أكتوبر لهم.. فإذا بالغالبية لا تعرف قيمة هذا اليوم في حياة الأمة، وإذا بالإجابات تبعث الأسى وتثير التساؤل عن مستقبل أمة تبدد تاريخها وتفقد ذاكراتها وتستسلم لتآمر حقيقي يريد أن يزرع فيها أكذوبة أنها أمة لا تعرف إلا الهزيمة ولا تملك إلا ثقافة عشق الموت بدلاً من الانتصار للحياة.
قد تكون هناك مبالغة فيما جاء في التحقيق الصحافي أو عدم دقة في اختيار (العينة) ولكن الإشارة تبقى واضحة: إن ذاكرة الأمة في خطر. والأمر ليس جديداً ولقد كنت واحداً من الصارخين في البرية على مدى سنوات محذرين من هذا الخطر.
ولعل القارئ الكريم يذكر بعض ما كتبته على صفحات (البيان) في مناسبات عديدة ربما كان أبرزها ما يتعلق بحرب 56 التي مرت ذكراها الخمسون وسط صمت عربي، بينما كان العالم يذكر ويدرس ويحلل هذه الحرب التي كانت فاصلاً بين عصرين، ونهاية لإمبراطوريتين سادتا العالم لعقود طويلة، وبداية لانتصار الشعوب على الاستعمار القديم.
وخروج آسيا وأفريقيا من ظلام خيم عليهما قرونا طويلة، وبداية لحركة العالم الثالث من اجل وقف النهب المستمر لثرواته من المعادن والبترول لتبني أوروبا وأميركا نهضتها، بينما تعيش شعوب آسيا وأفريقيا تحت احتلال يفرض عليها الفقر والجهل والتخلف، حتى جاءت حرب 56 واستعادت مصر قناة السويس ووضعت كلمة النهاية لعهد طويل من الاستعمار والاستغلال الرهيب.
وفي العام الماضي كان العالم يقف أمام الذكرى الخمسين للحرب التي غيرت وجه العالم، وكان الدارسون يتناولون الحدث من كافة أبعاده السياسية والعسكرية والاستراتيجية، بينما كان الصمت المريب هو الموقف السائد في العالم العربي إلا من قلة مازالت تقاوم وتعرف معنى الحفاظ على ذاكرة الأمة.
ولم يكن الصمت حدثاً طارئاً، بل كان نهاية مرحلة طويلة بدأت بالتعامل مع حرب 56 باعتبارها حرب عبد الناصر لا حرب الأمة كلها، وبالتالي فإن الهجوم عليها والتقليل من شأنها كان جزءاً من الحرب ضد عبد الناصر.. حيا ثم ميتا.
وكانت الأمة تعرف ذلك، وكانت الذاكرة مازالت متيقظة، وكانت الأجيال التي عاشت سنوات الحلم العربي بكل نجاحاتها وانكساراتها مازالت تتمسك بالحلم، وكان العرب من المحيط إلى الخليج الذين فتحت حرب 56 أمامهم أبواب التحرر يعرفون قيمة الحدث.
وكانت مدينة «بورسعيد» المصرية التي انكسر العدوان الثلاثي أمام صمودها تأخذ مكانها ومكانتها في ضمير كل عربي باعتبارها ستالينجراد العرب التي كتبت الهزيمة على أعداء الأمة وأنهت ما تبقى من احتلال فرنسي أو بريطاني لأي ارض عربية.
ثم جاءت مرحلة أخرى أكثر خطورة مع انفتاح أبواب الصلح مع إسرائيل وعقد المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية. هنا لم يعد العدو هو عبد الناصر فقط، وإنما أصبح العدو هو المقاومة، وأصبح تطبيع العلاقات هو الهدف الذي فرضته الاتفاقيات ورفضه الشعب في مصر وفي العالم العربي.
وأصبح الاحتفال بهزيمة إسرائيل أمراً لا يتواءم مع السعي لتقديمها على أنها شريك في عملية السلام الذي قيل انه سيفتح أبواب الرخاء لمصر، وترافق ذلك مع انقلاب في السياسات الاجتماعية والاقتصادية ومع رغبة الرئيس السادات في تقديم نفسه لأميركا والغرب على أنه حليفهم الأكبر في المنطقة الذي يمكن أن يكون عوناً لهم في الحرب الباردة التي كانت تمر بآخر مراحلها.
وفي ظل صراع داخلي مرير مع قوى اليسار والناصريين الرافضين لسياسات السادات، تحالف السادات مع كل المضارين من ثورة يوليو، وبدأت حملة تشويه هائلة لكل ما أنجزته الثورة. ومع اطمئنان السادات إلى أن حرب أكتوبر منحته شرعية جديدة، أطلق العنان لحملات الداخل لتصوره بأنه الرجل الذي أنقذ مصر من كل ما ألحقه بها عبد الناصر..
وفي ظل هذا النهج كان ضرورياً أن يكون التصنيع الذي تم أكذوبة، ومجانية التعليم والعدل الاجتماعي سلبيات، والوحدة العربية مغامرة طائشة، وعدم الخضوع لأميركا خطأ استراتيجي، والعداء لإسرائيل استنزاف لا طائل منه..
ولكي تكتمل الصورة فلابد من إهالة التراب على حرب 56، ولابد من اعتبار حرب الاستنزاف حرباً خاسرة، لتكون حرب 73 هي الإنجاز الوحيد ولكي تكون إنجاز السادات وحده وليست إنجاز مصر وجيشها والأمة العربية كلها.
وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً جرت مياه كثيرة بهذا الصدد.. صحيح أن مرحلة السادات قد انطوت، وأن خليفته مبارك لم يكن له ثأر يبحث عنه مع تاريخ سبقه، لكن الأمور في مصر وفي العالم العربي كانت تمر بمرحلة اختلطت فيها الأوراق وغابت فيها الرؤية.
وبينما كانت الولايات المتحدة تكثف هجومها للهيمنة على المنطقة، كانت إسرائيل تحاول حسم الصراع لصالحها، وكانت قوى اليسار تتراجع، وكانت القوى القومية تتلقى الضربات وتتحمل مسؤولية أخطاء نظم تم استغلالها لضرب حقيقة العروبة من أساسها.
وكانت قوى في داخل الأقطار العربية تربط مصيرها بقوى في الخارج وكانت «العولمة» يتم تسويقها على أنها محو للهوية وهرولة وراء المصالح الخاصة على حساب حاضر ومستقبل الشعوب. وبعد أن كانت «العروبة» هي الهدف، أصبحت الأقطار نفسها مهددة بالتقسيم وأصبح تفكيك ما تبقى من روابط وطنية أو قومية أساسا لبناء الشرق الأوسط الجديد الذي تحلم به أميركا.
وفي هذه المعركة لا يستخدم العدو القوة العسكرية فقط، ولكن يلجا إلى كل الأسلحة، ويحاول تدمير كل إرادة المقاومة، ويوجه أكثر جهده إلى أجيال جديدة لم تعاصر زمن النهوض ولم تعرف إلا تجارب التراجع إلا فيما ندر. فماذا نقدم من جانبنا لهذه الأجيال؟ واقع صعب مع نظام عربي عاجز على مواجهة التحديات أو تغيير الواقع.
وتعليم يفتقر إلى الأساسيات وأمية تمثل عاراً في عصر ثورة المعلومات، وغزواً ثقافيا وإعلاميا، واحتقاراً للغة العربية، ومئات الفضائيات التي تقسم جهودها بالعدل ما بين تقديم الأجساد العارية والتبشير بحياة أميركية هي المثال المرتجى من ناحية، وما بين فكر متخلف قادم من ظلام القرون الوسطى وفتاوى تنشغل عن صنع النهضة والتقدم العلمي والحضاري بالسؤال عن طريقة دخول الحمام وهل تكون بالقدم اليمنى أو اليسرى!!
وبينما العدو يقوم باختراع قومية واصطناع تاريخ ولغة، نقوم نحن بتبديد كل ذلك، ويتم تقديم ذلك على أنه مستندات الدخول في العولمة وعربون الرضاء الأميركي، وكان العولمة لا تقوم إلا بإلغاء كل ما يربطنا بهذه الأرض، وكان رضا أميركا لا يمكن نيله إلا بالتوبة عن العروبة وبالاعتذار عن سنوات المقاومة للهيمنة والاستقلال.
وهاهو جيل أكتوبر يستعد للرحيل عن المسرح، بينما يحاول أصحاب المصالح المرتبطة بمخططات الهيمنة على المنطقة أن يشددوا قبضتهم على مقاليد الأمور، ليفرضوا سياسات ترهن المستقبل لاتفاقيات الكويز والتطبيع، والتصالح مع مشاريع الشرق الأوسط الجديد القائم على تفكيك الأقطار العربية، مقابل إطلاق يدهم نهباً وسلباً في أوطانهم.
هؤلاء لا يمثل أكتوبر بالنسبة لهم شيئا، لأن فكرة الوطن نفسها تتراجع عندهم أمام المصالح الخاصة، وقد ينجحون ـ بفضل دعم أعداء الأمة ـ في تشويه جزء من تاريخ الوطن لفترة، وقد يحجبون الحقيقة عن بعض الناس، ولكنهم واهمون إذا ظنوا أنهم قادرون على حسم المعركة لصالحهم مهما كانت تحالفاتهم الخارجية أو حجم الدعم المتاح لهم.
فلا موازين القوى ستظل كما هي، ولا حالة التراجع العربي ستستمر، ولا الشعوب ستقبل أن يتقرر مصيرها بهذه الطريقة. ولكن المهم أن تبقى ذاكرة الأمة، وأن يبقى معها اليقين بالقدرة على المقاومة وهزيمة مخططات الأعداء.
ويبقى أن نؤكد التحية لشهداء الأمة في 6 أكتوبر المجيد وفي معارك الحرية والاستقلال، والإيمان العميق بأن النهضة العربية لن تتحقق إلا إذا تحولت أيام مثل 6 أكتوبر من مجرد ذكري يريدون تحطيمها.. الى أسلوب حياة تتحول فيه كل أيام الأمة الى مثل هذا اليوم الذي حشدت فيه الأمة كل إمكانياتها واستعانت بالعلم والتخطيط السليم والإيمان العميق بأنها لا تمتلك إلا خياراً واحداً.. هو أن تنتصر لنفسها ولإرادة الحياة، ولكرامة الإنسان العربي الذي طال انتظاره لطعم الانتصار.
نقيب الصحافيين المصريين