عادت المسألة العراقية بقوة إلى واجهة الأحداث بعد «الصدمة» السياسية التي أحدثها قرار مجلس الشيوخ الأميركي وهو قرار غير ملزم بدعوته إلى تقسيم العراق إلى ثلاث فيدراليات كردية وسنية وشيعية وهو ما يعتبر بالتقسيم السلس أو المقنع أو مشروع انتقالي نحو التقسيم الفعلي باعتبار انه يقوم على أساس مذهبي أو اثني محدثا لمزيد من الشروخ ومعمقا الشروخ القائمة في البلد الواحد.

ويبدو هذا القرار غير الملزم كنتيجة منطقية لسياسة أميركية بدأت مع بول بريمر والتي كرست لغة الهويات ما دون العراقية والعابرة للهوية الوطنية العراقية منذ اليوم الأول فالاحتلال كرس لغة وبالتالي سياسات تقوم على الهويات ما دون العراقية على حساب سياسات الهوية الواحدة الجامعة فخلق فضاء سياسيا قائما على التطييف والتمزق السياسي الحاد والمسلح.

فخلق بيئة ذات قابلية كبيرة للبلقنة وبالتالي جاء هذا المشروع المشار إليه كخيار طبيعي ومنطقي لتسوية أزمة الولايات المتحدة في العراق باعتبار أننا نشهد لعبة سيناريوهات ممكنة ومختلفة تتعلق بالمشكلة العراقية ولكنها في حقيقة الأمر تتعلق بمشكلة الولايات المتحدة في العراق الذي كما يحذر قائد الجيش التركي دخل سريعا في طريق التفتت.

نسمع عن سيناريوهات عديدة منها التقسيم السلس، ومنها الحديث عن فيدرالية قوية لكن هذه لا يمكن أن تقوم إلا على أساس وفاق وطني حول المسائل الرئيسية التي تهم كافة مكونات الشعب العراقي وهذا مازال غائبا حاليا.

ومنها ما يعرف بتقسيم الأمر الواقع أي إعطاء الحكم لقوى الأمر الواقع من حيث تلزيمها الأمن والقرار الفعلي فيما يتعلق بالمناطق التي تسيطر عليها في حين تقوم الحكومة بدور المنسق العام وتبقى الدولة الواحدة دولة صورية قائمة دستوريا في الخارج أكثر مما هي قائمة فعليا في الداخل، ثم هنالك سيناريو يطرح أيضا ويقوم على نظرية بروز زعيم قوي يوحد العراق مجددا.

لكن السؤال يبقى قائما من أين يؤتي بقائد يملك المشروعية الوطنية العراقية ويسيطر في الوقت ذاته على المؤسسة العسكرية الوطنية من اجل إعادة توحيد العراق في وقت تتعمق فيه الجراح الطائفية وتكبر المسافات بين القوى السياسية الأساسية صانعة السياسة العراقية.

كما نسمع عن سيناريو يسمى بسيناريو محاصرة الحريق ومنعه من الانتشار كأن تقيم واشنطن جدارا يفترض ان يكون عازلا على الحدود العراقية، داخل هذه الحدود، يمنع من انتشار الحريق الى خارج العراق، ولو أنه لا يمنع حدوث مذابح على النمط الرواندي.

ويستدعي هذا السيناريو بالطبع التعاون مع جيران العراق المباشرين على ان تترك لحالة التعب التي تصيب المحاربين بعد فترة زمنية معينة تترك لها عملية إخماد النار العراقية الداخلية فيكون قدر العراق تآكلا وتفتتا مستمرين فينتهي القتال عندما لا يعود هنالك متقاتلون كما يقول المثل الفرنسي.

ثم هنالك أيضا الحديث عن حالة التعب الأميركية ووصولها إلى نقطة اللارجوع التي قد تؤدي إلى انسحاب سريع يؤدي إلى بلقنة العراق واحتمال انتشار زلزال البلقنة في ارتدادات مختلفة القوة إلى جواره القريب والبعيد، فتصبح حرب الكل ضد الكل، حرب أبناء الطائفة الواحدة للسيطرة على منطقتهم وحربهم مع الآخر لاقتطاع قسم اكبر من «التورتة العراقية»، وهي حالة جاذبة بقوة للتدخل الخارجي.

ثم بالطبع هنالك الدعوة المباشرة إلى سيناريو التقسيم ومواكبة وتسريع انجاز هذا السيناريو لخلق ثلاث دول تقوم على أساس الهويات المتقاتلة حاليا.

ويقول جاك اتالي الكاتب والمفكر والسياسي الفرنسي إن منطق الأمور في العراق يستدعي النظر إلى النموذج أو إلى السيناريو الذي حصل في الهند آخر أيام البريطانيين حيث نتج عن الانسحاب البريطاني تقسيم الهند رغم محاولة البريطانيين إنشاء دولة هندية موحدة فان قرار انسحابهم بأقصى سرعة كما يذكر اتالي أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية في شبه القارة الهندية.

وحصلت عمليات ترحيل سكان ثم انقسمت الهند الى دولتين فثلاث. ولا يستبعد اتالي ان يلقى العراق مصير الهند أي الحرب الأهلية ثم التقسيم ثم الحرب بين الدول الجديدة الناتجة عن التقسيم ويختم ان على الأميركيين الإدراك ان لا مفر عن تقسيم العراق والتحلي بالشجاعة تحضيرا لهذا التقسيم.

أمام هذه السيناريوهات «الواقعية» التي تراوح بين السيئ والأسوأ لا يكفي على من يريدون وحدة العراق من عراقيين وعرب الاستمرار في البكاء على «اللبن المسكوب» وتوجيه الانتقادات الحادة والشديدة والمشروعة بالطبع ضد كل ما يشتم منه محاولة مباشرة أو غير مباشرة لتقسيم العراق.

فبقدر ما إن إدانة ورفض هذه المحاولات أمر ضروري بقدر ما هو أمر غير كاف ولا يغير بمسار الأمور طالما أن العراق يسقط بقوة في الهوة التقسيمية التي تدفع إليها عمليا صراعات المصالح والاستراتيجيات التي تتغذى بدورها على هويات خائفة وجريحة ومأزومة تحاول أن تجد تسويات للحاضر .

ولكنها غير مطمئنة للمستقبل، وطالما أن اللاعب الأساسي والمهندس الأقوى للأزمة العراقية، الذي هو واشنطن مازال يبحث عبر خطوات محدودة وبشكل مجزأ عن سياسات تدعم استراتيجياته الأمنية فينتقل الموقف الأميركي مثل رقاص الساعة من دعم الشيعة إلى دعم السنة وهكذا في لعبة إحداث توازن لا تمنع التجزئة بل تعمقها.

وطالما أن واشنطن مازالت تعتبر أن العمل السياسي هو لدعم استراتيجية أمنية عسكرية ثابتة بدل أن تبحث عن إطار سياسي جديد للتسوية بسبب فشل سياسات السنوات الأخيرة وحتى تكون التسوية السياسية هي التي تنتج بدورها «التسوية» الأمنية.

وطالما انه لن يتم البحث بعد عن بلورة عقد وطني جديد يفتح بابا ويخلق مساحة سياسية في العراق لمشاركة قوى سياسية واجتماعية واقتصادية غير طائفية في العملية السياسية الوطنية في العراق نحو إعادة بناء العراق فمن الضروري انجاز هذا العقد الوطني ثم ترجمته إلى قوانين وأنظمة دستورية تمثل تقنينا لهذه المشروعية الوطنية وليس العكس.

ذلك كله يستدعي العودة إلى المربع الأول، مربع التسوية الشاملة التي تتناول كافة المواضيع والمسائل الأساسية والتي تهم جميع الأطراف العراقية الرئيسية، ومن خلال انخراط جميع هذه الأطراف والقوى العراقية في عملية صياغة هذا العقد الوطني الجديد على أن تواكب هذه العملية السياسية الداخلية وتحتضنها عملية سياسية دولية في إطار الأمم المتحدة تلعب فيها الولايات المتحدة وكذلك القوى الدولية الفاعلة ودول الجوار المباشر وغير المباشر دوراً أساسياً في حماية هذه العملية وفي توفير الضمانة لإنجاحها وتثبيت نتائجها وحماية هذه النتائج.

ويبقى نموذج دايتون الخاص بالبوسنة نموذجا ناجحا ويمكن أن يحتذى به لإخراج العراق ومعه المنطقة من لعبة تربيع الدوائر والدخول في المجهول.