تبدو باكستان وكأنها قد وضعت نفسها على سكة الخروج من المرحلة الانتقالية الهشة، التي تعيشها منذ أشهر. صراعات وخضّات ومواجهات ساخنة استبدت بساحتها السياسية خلال هذه الفترة. بلغت أشدها مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، الرئاسية والبرلمانية.
تفاهمات وترتيبات اللحظة الأخيرة أدت إلى مرور الشق الأول منها، أمس؛ في موعده وبسلام، اختار البرلمان والمجالس المحلية رئيس البلاد، للسنوات الخمس المقبلة، وقد أشارت النتائج غير الرسمية أمس إلى فوز الجنرال برويز مشرف في الانتخابات، ولو أن النتائج تبقى معلقة ولغاية أن تبت المحكمة العليا بالطعون المرفوعة، ضد ترشيح الرئيس برويز مشرف.
ومن المتوقع أن يكشف عن النتائج بشكل رسمي بعد يوم 17 الجاري؛ موعد البدء في النظر بالطعون؛ وخلال فترة لا تتعدى أواسط الشهر المقبل.
ولقد سبق للمحكمة العليا أن حسمت قبل يوم الاقتراع، بدستورية ترشيح الجنرال قبل التخلي عن بزته العسكرية؛ التي وعد أمام المحكمة بتركها في حال فاز بالرئاسة.
إذا سارت الأمور في هذا الشكل، تكون باكستان قد اجتازت استحقاق الرئاسة ووضعته وراءها. بيد أن عبور الممر الصخري الضيق الذي تجتازه، ما زالت مسيرته غير قصيرة وغير خالية من المتاعب والتعقيدات؛ ناهيك بالتحديات، الداخلية والإقليمية.
في مطلع العام المقبل باكستان على موعد مع الانتخابات النيابية. المشهد الانتخابي يموج بالأحزاب والتكتلات، غياب قوة سياسية كاسحة بمفردها، يجعل المعركة رهينة للتحالفات تحالف مشرف ـ بوتو، أحد أكبرها. وقد يمسك بزمام الأمور حسب التوقعات، لكن مع ذلك تبقى رحلة العبور محفوفة بالصعوبات والعقبات، ليس أقلها تشكيل حكومة تجمع بين خصمي الأمس:
مشرف ـ بوتو. وليس سراً أنه حتى العلاقات بينهما على الصعيد الشخصي، ليست ودية؛ ناهيك عن التوتر الدائم الذي ساد علاقتهما السياسية. خاصة وأن ما ينتظر التركيبة الحكومية الجديدة المقبلة، هو من العيار الثقيل؛ بدءاً من انجاز الانتقال إلى الديمقراطية وانتهاء بالتصدي للإشكالات الداخلية؛ خاصة المتعلقة منها بالحرب على الإرهاب.
الرحلة السياسية الباكستانية، مضى عليها ستون سنة، منذ تأسيس الدولة عام 1947، ثم إعلان الجمهورية عام 1956؛ والبلد يتأرجح بين الحكم المدني والانقلابات العسكرية، وبقدر ما كانت التجربة ناجحة في بناء المؤسسات، بقدر ما كانت الآليات متعثرة. وأحياناً مجمدة.أزمة كشمير والحروب الثلاث مع الهند لعبت دوراً غير مباشر، في هذا التجميد.
الأمن القومي كان الهاجس الأول، لعب دوراً كبيراً في تعزيز التماسك الداخلي، لكن في الوقت نفسه كان أحد عوامل التعثر في العملية الديمقراطية. الآن وقد أصبحت باكستان قوة نووية، هذه العملية على المحك، وباكستان أمام التحدي المتجدد: هل تقوى على الانطلاق هذه المرة، في ترسيخ الديمقراطية للخروج من متاعب وأزمات الحكم؟ المهمة كبيرة وطويلة.
لكن ما تختزنه التجربة الباكستانية يمكنها من تحقيق هذا الإنجاز خاصة في ظل اتفاق المصالحة الذي سوف يشمل كل القوى السياسية خلال مرحلة مقبلة. إن إسلام أباد صارت قادرة على اجتياز الامتحان الصعب.
