غابت الاحتفالات بيوم القدس عن معظم العواصم العربية، الاستثناء الوحيد كان على شكل مظاهرة صغيرة نظمتها عناصر تابعة للجهاد الاسلامي في قطاع غزة، واخرى ضخمة دعا اليها حزب الله اللبناني في العاصمة اللبنانية بيروت.
القيادة الايرانية خصصت الجمعة الاخيرة من شهر رمضان المبارك للاحتفال بهذه المناسبة، لتذكير العالم الاسلامي باحتلال المدينة المقدسة من قبل القوات الاسرائيلية في يونيو عام 1967، ولحشد التضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة في التحرير واستعادة حقوقه المغتصبة.
الحكومات العربية تجاهلت هذه المناسبة في معظمها، لاسباب عديدة، اولها ان الدعوة لتخصيص يوم عالمي لنصرة القدس المحتلة واهلها جاءت من قبل القيادة الايرانية، وثانيها ان معظم هذه الحكومات تقيم علاقات دبلوماسية او تجارية مع الدولة العبرية ولا تريد اغضابها والولايات المتحدة الاميركية التي تدعمها.
واللافت ان الحكومات العربية تحذر من المشروع الايراني الذي تقول انه يمد اذرعته بقوة الى العراق ولبنان وفلسطين، وتنخرط في المخطط الاميركي لشيطنة ايران، وتحويلها، وبسرعة قياسية، الى العدو الاكبر للعرب المهدد لامنهم واستقرارهم، بحيث يتقدم هذا العدو في خطره على الاسرائيليين الذين باتوا اصدقاء وحلفاء في اعين الكثير من الحكام العرب.
المواطن العربي يشكك في مثل هذه المقولات، ويدرك جيدا ان حكوماته تعادي ايران لان الادارة الاميركية تعاديها، وتحشد قواتها من اجل ضربها بسبب طموحاتها النووية، تماما مثلما تعاملت هذه الحكومات مع النظام العراقي السابق وضخمت خطره على جيرانه، وظلت تطالبه بتدمير اسلحة دمار شامل لا يملكها اساسا.
الانظمة العربية في حال افلاس كامل في معظمها، وخسرت ما تبقى لها من مصداقية في اعين مواطنيها لانها لا تملك اي مشروع عربي يوازي المشروع الايراني، وتتبنى المشاريع الاميركية بالكامل، ودون اي نقاش.
فمن المؤسف ان الحكومات العربية تشارك بفاعلية في الحصار الاميركي المفروض علي الشعب الفلسطيني، مثلما شاركت بحماس غير معهود في الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على الشعب العراقي ولاكثر من 13 عاما تحت ذريعة امتلاك العراق اسلحة دمار شامل وهو حصار ادى الى وفاة اكثر من مليون طفل عراقي حسب احصاءات الامم المتحدة.
نستغرب ان تبادر القيادة الايرانية الى تخصيص يوم للقدس المحتلة، وتحتفل به كل عام، حتى قبل الغزو الاميركي للعراق بسنوات، ولا تفعل الشيء نفسه معظم الانظمة العربية التي تناست هذه المدينة المقدسة ومعاناة اهلها ارضاء للولايات المتحدة وتجنبا لاغضابها، وهو تناسٍ يصب في مصلحة الاحتلال والمشروع الايراني الذي تدعي معارضته والتحذير من اخطاره.
يوم القدس يجب ان يكون يوما عالميا تحييه الشعوب العربية والاسلامية كل عام للتذكير بالمؤامرات الاسرائيلية لتهويد هذه المدينة، وتدمير مقدساتها، واذلال شعبها، بغض النظر عن الجهة التي تقف خلف هذه المبادرة الوطنية الحقة.
فتحرير القدس هو مسؤولية جميع الشعوب والانظمة الاسلامية والعربية بغض النظر عن هويتها او مذهبها، وكنا نتمنى ان تكون الدول العربية الطرف الرئيسي المحرك في هذا الاتجاه، ولكنها لم تكن كذلك فقط وانما لجأت الى التشكيك في دوافع اي تحرك في هذا الاتجاه.
