في الوقت الذي تزداد فيه الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والانسانية في قطاع غزة المحتل تدهورا، وبشكل تجسده الحالات الصعبة للمستشفيات الفلسطينية في واحدة من اكثر المناطق اكتظاظا بالسكان على مستوى المنطقة، عادت مرة اخرى الاشتباكات والمطاردات والاعتقالات في قطاع غزة بين انصار حركتي فتح وحماس، اذ يبدو ان حركة حماس تريد اكمال سيطرتها على ما تبقى من مواقع محدودة لحركة فتح في قطاع غزة المحتل.

مع الوضع في الاعتبار الروايات المتضاربة والمتعارضة لكل من فتح وحماس حول ما يجري في قطاع غزة وفي الضفة الغربية كذلك، وهي ممارسات لا يمكن الا ان تكون محسوبة على الفلسطينيين بكل فصائلهم وخاصة حماس وفتح، فانه من غير الممكن، بل ومن غير الصواب بالنسبة لهذا الطرف العربي او ذاك ان يتخذ موقف اي من الحركتين المتنازعتين بشكل كامل او داعم على طول الخط لسبب بسيط هو ان الاخطاء والتجاوزات ومحاولات الاقصاء كانت ولا تزال ممارسات متبادلة للاسف الشديد من جانب تيارات مؤثرة وقادرة على الفعل في كل من حركتي فتح وحماس، وان كان بدرجات متفاوتة الحدة والمدى الذي ترمي الى الوصول اليه.

واذا كان تجدد الاشتباكات والمواجهات بين انصار حماس وفتح في قطاع غزة اتخذت وتيرة متكررة على امتداد الاسابيع الاخيرة، بعد احداث يونيو المؤسفة التي استولت فيها حماس على قطاع غزة بالقوة المسلحة، الا انه يمكن القول ان تجدد الاشتباكات والانفجارات الغامضة في قطاع غزة خلال هذه الايام، وامتداد ذلك بشكل او بآخر الى الضفة الغربية، وحتى الى لبنان ينبغي النظر اليه بكثير من الاهتمام والحذر كذلك نظرا لما يمكن ان يترتب على هذه الاشتباكات على الصعيد الفلسطيني الداخلي من ناحية، وما يمكن ان يترتب عليها كذلك بالنسبة لمحاولات تحريك عملية السلام عبر مؤتمر واشنطن، وربما اوسع من ذلك، اي بالنسبة للبنان الذي يمر بفترة دقيقة وشديدة الحساسية ايضا.

على اية حال فانه يمكن القول بأنه ليس من المصادفة على اي نحو ان تعود الاشتباكات بين انصار حماس وفتح في قطاع غزة في وقت تشهد فيه الاتصالات والتحركات من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة الاسرائيلية ووزيرة الخارجية الامريكية نشاطا وتواصلا للإعداد لمؤتمر واشنطن المقرر عقده خلال شهر نوفمبر القادم.

صحيح ان حماس اعربت عن معارضتها للمؤتمر، او بالاحرى انتقادها للرئاسة الفلسطينية، بل وتشكيكها فيما يمكن ان يتمخض عنه المؤتمر من نتائج ولكن الصحيح ايضا انه يبدو ان هناك في حماس من اختار ان يلجأ الى تصعيد التوتر في قطاع غزة، وربما خارجه ايضا من اجل لفت الانتباه الى عدم استقرار الاوضاع الفلسطينية والى اثارة المخاوف والشكوك حول ما يمكن ان تتخذه السلطة الفلسطينية من قرارات او تصل اليه من اتفاقات، ومدى قدرتها على تنفيذها خاصة في قطاع غزة. وفي ضوء ذلك يمكن فهم الاستيلاء على بعض مقرات فتح في غزة في الايام الاخيرة باعتباره تشديدا لقبضة حماس على القطاع.

ومع الترحيب بأية اتصالات او تحركات جادة ومخلصة لحمل حماس وفتح على الحوار على اسس قادرة على تحقيق المصالح الفلسطينية والتغلب على التوتر الراهن بين اكبر فصيلين فلسطينيين، فلعل ما تردد حول الاعداد لحوار بين فتح وحماس قريبا بمعرفة الرئيس الفلسطيني يكون له اساس من الصحة نظرا لحاجة الفلسطينيين الحقيقية لذلك ولضرورة ان يكون الحوار في حالة حدوثه حوارا مسؤولا وجادا وشاملا حتى يمكن ان يخرج بنتائج محددة وذات قيمة.

اما امتداد الاشتباكات بين انصار فتح وحماس الى احد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، فانها وان كانت امرا عابرا او فرديا، الا انه لايمكن التهوين او التقليل مما قد ينطوي عليها من مخاطر محتملة في الفترة القادمة.

نعم استطاع لبنان ان يتخلص من صداع جماعة «فتح الاسلام» في مخيم نهر البارد، ولكن من الخطر بالنسبة للاوضاع اللبنانية، خاصة في الظروف الراهنة، ان يتم نقل المواجهات بين حماس وفتح الى المخيمات التي تستضيفها لبنان اللهم الا اذا كان هناك من يريد دفع لبنان الى حافة خطرة. ومن المأمول ان تمتنع كل الاطراف، فلسطينية وغير فلسطينية عن ذلك.