يختلف المحللون حول ما يمكن اعتباره نقطة البداية في ما يتعلق بالحديث عن تقسيم العراق داخل المؤسسات الرسمية الأميركية بعد أن تبنى مجلس الشيوخ قراره غير الملزم بخلق مناطق فدرالية إلى جانب منطقة كردستان بنسبة تصويت 75 مع و23 ضد.
البعض يميل إلى تحليل الأحداث من منطلق المؤامرة ويعتقد بأن تقسيم العراق كان هدفاً مبيتاً من الأصل حتى ما قبل الغزو الأميركي للعراق ويرى في تحركات الإدارة الأميركية بتفكيك كل أجهزة الدولة القائمة ومؤسساتها دليلاً قاطعاً على حديثه، في حين البعض الآخر يراه في سياق تطور مسار الأحداث على الساحة العراقية والجدل الدائر بين الإدارة الأميركية والكونغرس حول كيفية الخروج من الورطة العراقية. ويبدو في قياس الزمن أن نقطة البداية غالبا ما تكون مبهمة إلى أن تظهر المنفعة الحسية منها.
لم تكن خطابات الإدارة الأميركية على طول حربها على العراق تحوي على أي نوايا لتقسيمه، بل بالعكس كان التشديد مستمرا على ضرورة الحفاظ على وحدة العراق من اليوم الأول الذي اعتبرت فيه القوات الأميركية أنها سوف تستقبل بالزهور من قبل الشعب العراقي.
وعندما كتب الدستور العراقي من قبل محامين أميركيين جرى الاتفاق على الإطار الفيدرالي بحيث يبقي على وحدة البلاد في إطار أقل مركزية، كان الحديث عن التفتيت والتقسيم مجرد كلام سياسي يسرد في إطار مقالات تحليلية، إلى أن اصطدمت الحقيقة بالواقع وتطورت أحداث العراق في سياق مغاير لرغبة المحتل.
كان تعيين الجنرال ديفيد بترايوس في فبراير 2007 لمنصب قائد القوات الأميركية في بغداد الفرصة الأخيرة لإمكانية الاتفاق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على المسار في العراق، وقد وصف حينها بأنه أفضل أمل في حرب فاشلة، كما وصفه أحدهم بكلام له دلالات كبيرة حين شبهه بأوليسس غرانت القائد العسكري الذي أنقذ الوحدويون المعادون لانفصال بعض الولايات الأميركية في عهد لينكون في القرن التاسع عشر، والمفارقة كبيرة بين هذا وقرار مجلس الشيوخ!
كان بوش قد طالب بفرصة لتعديل إستراتيجيته بزيادة عديد القوات الأميركية في العراق فيما حربه تنطلق في عامها الخامس بتكاليف باهظة دون أمل يذكر في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، ووسط احتجاجات واسعة بين الأميركيين ومطالبة بسحب الملف العراقي من بوش على أن يتولى الكونغرس إدارة السياسة الأميركية.
لم تمض أشهر معدودة حتى كثرت التقارير «المحبطة» حول نتائج خطة بوش وذلك قبل أن يدلي ديفيد بترايوس بشهادته أمام الكونغرس في 11 سبتمبر 2007.
وكانت نبرة مجلس الشيوخ تتصاعد تهديداتها للحكومة العراقية للاستعجال في البث في القضايا العالقة والقوانين التي تجري مراجعتها من اجتثاث البعث إلى قانون النفط وغيرها من المعايير التي وضعتها الإدارة الأميركية لتقييم التقدم في العراق والتي لم يحقق إلا القليل من أهدافها، كما عبرت هيئة الأركان المشتركة عن قلقها من أن حرب العراق قلصت قدرة الجيش على الرد على تهديدات أخرى آتية من الجوار.
شكل يوم 11 سبتمبر محطة مهمة في الجدل القائم حول العراق بين الإدارة الأميركية والكونغرس، وفي تقديمه لبترايوس الذي ألقى شهادته أمام الكونغرس قال السيناتور جوزيف بيدن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي: «إن العراق لا يمكن أن يحكم من المركز في هذه المرحلة من تاريخه، وبأنه دون تسوية سياسية لا يمكن تجنب الفوضى وإن ما تم إنجازه لناحية التهدئة في «الأنبار» لا يحل القتل بين السنة والشيعة والأكراد وتأثيراته الإقليمية البعيدة المدى على المصالح الأميركية».
لم يجد الكونغرس جديدا في تقرير بترايوس إلا ربما الحرب فاشلة يعني السياسة فاشلة. فهل نحن أمام بداية تغيير رسمي في الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق؟
يرى البعض أن القرار وهو غير ملزم أصلا يأتي في إطار تصعيد الخلافات مع بوش لحثه على الانسحاب أو لتخويف الحكومة العراقية وجيران العراق لحثهم على دعم التوصل إلى تسوية سياسية. لكن الواضح أن المسؤولين الأميركيين يشعرون بمدى عجزهم عن صياغة الأحداث في العراق هذه الأيام، وبأن إدارتهم للحرب بعيدة عن خدمة أهدافهم بل أصبحت خاضعة لغير قوانينينهم.
لقد أقرت الإدارة الأميركية بفشل الحل العسكري في العراق وباتت تريد الانسحاب ولا تجد مخرجا في ذلك إلا المكابرة على حقيقة أن هناك مقاومة وطنية رافضة للاحتلال الأميركي، والتخوف هو في أن يكون هناك من هو على استعداد للوقوع في مطب هذه السياسة التي تسير على هدى «علي وعلى أعدائي».