العراق أيها السادة قلب من اعرق الأمم على وجه الأرض انه قلب الأمة العربية. وصفة القلب تعني ان مشاعر الأمة تثور في هذا البلد منذ ان خلق في الوجود والى يومه الأخير فعندما تحزن طرابلس يبكي العراق وعندما تجرح مصر ينزف العراق وعندما تصيح لبنان يلبي العراق.
وعندما تهدد سوريا يهب العراق بين ليلة وضحاها وكل حجر ترميه يد طفل فلسطيني قبل العراقيين الحجر ويد من رماه وانتم تعرفون ما الذي رماه العراقيين على إسرائيل وكيف أبكاهم العراقيين ولولا هذا البكاء لما صار الحقد على العراق طويلا ليس له نهاية الا ان يتمتعوا بأرض العراق تقسم وتشتت وكأنها الجائزة التي ينتظرها اللاهثون وراء جسد العراق المكلل بكل أنواع الجراحات.
تقسيم العراق هي احدث صيحات الاحتلال ورفاق الاحتلال وهو مشروع كان يلوح به بين الحين والحين حتى صار اليوم ضرورة ملحة للإدارة الأميركية التي أعدتها بصيغة قرار غير ملزم وافق الكونغرس الأميركي عليه على اعتباره الحل الذي سيمهد لسحب القوات الأميركية من العراق.
خطورة هذا القرار تكمن في سببين أساسيين :
الأول: ان قرار التقسيم يأتي في الوقت الذي يتضاءل فيه دور الحكومة بل وتضمحل فعالية المؤسسات الحكومية. هذا بالإضافة الى انعدام سيادة القانون وعدم وجود دستور تجتمع عليه أطياف الشعب العراقي إضافة الى عجز القانون وسلطاته التنفيذية عن الاستقلال بذاتها والابتعاد عن المحاصصة الطائفية.
اذن كيف يمكن للأقاليم ان تفرض سلطاتها وقوانينها بصورة تضمن الاستقرار في الوقت الذي ينعدم فيه وجود للقانون والدستور. وبالتالي هذا يعني ان كل من الأقاليم سيكون أمامها حلين إما الاستمرار بشكل القانون الموجود وهذا يعني ان لا فرق سيحدث على صعيد الأمن والاستقرار. او انها سوف تبتكر قانونها الخاص وهذا سيعني ان هذه الأقاليم ستكون أقاليم انفصالية وليست اتحادية وما يترتب عليه من تدخل لدول الجوار والتأثيرات الطائفية التي ستسعى الى تغيير عراقية الإقليم الواحد.
الثاني: بريطانيا ايام احتلالها للوطن العربي كانت أكثر دهاء وحكمة حيث عمدت الى التغلغل في الوطن العربي قبل سنوات طويلة عبر التجارة والصحافة والتعليم بل وحول موظفين لديها وضباط الى مستكشفين يجيدون العربية ويتغلغلون في القبائل العربية ويتعلمون كيف يفكر العرب وكيف يعيشون حتى ان مؤتمر السلام في سان ريمون بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى دهشت الدول الكبرى بدقة ورصانة المخططات والخرائط والوثاق والتقارير التي قدمتها بريطانيا عن الوطن العربي والتي صارت الأساس الذي قسمت فيه الأرض العربية بل الأساس الذي ترك قنابل موقوتة في قضايا الحدود العربية تستخدم في الوقت المناسب.
اما الولايات المتحدة فهي ليست حديثة العهد بالأرض العربية ولكن رغم كل تلك السنين في الواقع فان أسلوب رجال العصابات كان هو سيد الموقف في علاقة العرب بالولايات المتحدة التي لطالما أبدت جهلا مؤثرا بحقيقة وواقع الشعوب العربية لذلك ضلت العلاقة سيئة بين الولايات المتحدة وتلك الشعوب بالرغم من ان القوة ربما نجحت في تمرير بعض أشكال الثقافة والنموذج الأميركي الا انه يمكن الجزم بان الولايات المتحدة ليست لديها قاعدة فكرية في الأجيال العربية التي ضلت تمقت الولايات المتحدة وبما يعود ذلك الى ان السياسة الأميركية .
ومنذ الستينات تحب التعامل مع الوطن العربي بأسلوب التهديد وتحريك حاملات الطائرات والتآمر المفضوح مع الأطراف الثانوية وتحرك العملاء الذين مع الأسف يتم اختيارهم من ادنى مراتب الخونة والعملاء حتى اذا تكلموا بالوطنية شوهت القضايا الوطنية وصارت أحقر المواضيع وأردئها.
اما في موضوع العراق فالولايات المتحدة ومنذ احتلالها للعراق حاولت فرض حلول تشبه حلول أفلام هوليوود الرديئة وعلى سبيل المثال مجلس الحكم الذي كان اول وسيلة لانقسام السياسيين وأول خطوات تدمير المؤسسات الحكومية ،الحكومة الانتقالية التي لم تعط فرصة للقيام بأي ترتيبات تجعل بالإمكان إعادة سلطة القانون وترسيخ دور المؤسسات.
ثم الانتخابات التي طالبت العراقيين وهم خائفون حتى من مغادرة بيتهم ان ينتخبوا حكومة تسير أمورهم وانتم تعرفون اي حكومة صارت بعد الانتخابات. ثم الدستور الذي ما انزل الله به من سلطان والذي دخل كتاب جينس للأرقام القياسية لأسرع دستور كتب في تاريخ الدول وأكثر الدساتير التي لا يعرف لحد الان تحديدا لبنوده.
واليوم نحن امام التقسيم الذي هو مشروع يفرض دون دراسة لحقيقة التوزيع الديموغرافي في العراق فالجنوب ليس عشائر شيعية فحسب بل انه يضم اعرق العشائر السنية وكذلك الوسط وكذلك الشمال وعليه كيف سيتعامل التقسيم مع هذه العشائر العربية العريقة. وهل التقسيم سيتم على أساس جغرافي ام طائفي ؟وكيف سيتم تحديد مهمات الامن والدفاع بين الأقاليم؟
كيف ستنضم الأمور المالية ؟ما هي العلاقة بين الإدارة في الأقاليم والحكومة العراقية ؟ام ان العراق سيحكم بثلاثة رؤساء ؟ربما فكل شيء في حلول هوليوود ممكن. عموما دعاة التقسيم يدافعون عن فكرة الشيطان فيقولون ان هذا هو تجسيد لأمر واقع يعيشه العراق وعليه فان هذا التقسيم سيريح الجميع ويعيد الأمن والاستقرار للعراقيين. فلو كان هذا امرا واقعا كما يقولون فانه صار كذلك منذ أربع سنوات اي منذ ان طارت الغربان فوق سماء العراق وأشعلت الظلام في سمائه.
فلو كان امرا واقعا لكان العراق الآن تلك الولايات الثلاث التي فرضها الاحتلال العثماني بغداد والموصل والبصرة. وربما لكانت ثورة العشرين التي كانت واحدة من اكبر خسائر الجيش البريطاني بعد الحرب العالمية الاولى هذه الثورة لو كان التقسيم امرا واقعا لكانت هبت في الوسط دون الجنوب الذي اشتعل نارا على البريطانيين والشمال الذي ثار بركانا في نفس التوقيت. ولو كان التقسيم امرا واقعا لما كانت بيوتنا في الجنوب وفي الموصل في بغداد ولما كان أخوالنا شيعة وأعمامنا سنة او كان أعمامنا كردا وأخوالنا عربا.
لو كان واقعا تقسيم العراق لما دفنا أمواتنا في السليمانية والدهوك والموصل والنجف والحلة والبصرة. لو كان واقعنا صفونا جنب بعضنا وتعرفوا من منا عراقي من الجنوب ومن منا عراقي من الشمال ومن منا عراقي من بغداد. لو كان واقعا لتوقف دجلة في بغداد وأبى ان يكمل رحلته الى البصرة او لتحول الفرات ورفض ان يسقي مزارع الانبار واكتفى بمزارع النجف.
لو كان التقسيم واقعا لما بكينا اليوم بنفس الدموع على العراق. ولو كان وقعا لكان الموت استثنى السنة او الشيعة او الأكراد. المشكلة ان العراق ايها السادة كان دائما رقما صعبا في حسابات الطامعين والطامحين واليوم لا يمكن لهذا الرقم الصعب ان يقبل القسمة لان القسمة تعني ان الأبواب صارت مفتوحة ايها العرب والأبواب المفتوحة لن تدخل سوى النار والدمار. . وقسمة العراق سوف تعني ضرب العرب وطرح عروبتهم ومستقبلهم وجمع الطامعين.
كاتبة عراقية