لم يعد يخفى على أحد قلق واشنطن، بل و شدة امتعاضها، من النجاح الذي تحققه السياسة الخارجية الروسية في السنوات الأخيرة. ولعل أحد أهم أسباب أو مبررات حاجة المحافظين الجدد، إلى منظومة الدرع الصاروخية في بولندة و تشيكيا، تهدف في واقع الأمر إلى كبح جماح روسيا. والمنظومة الصاروخية لم تكن الخطوة الأميركية الوحيدة الرامية، إلى منع صعود روسيا.
إن عجزتَ عن كسر العدو، بعناصر تأثير على محيطه الخارجي. فعليك بتوجيه ضربة له من الداخل. وبناء عليه. يمكن النظر إلى التوتر الحالي في العلاقات بين روسيا وجورجيا. من باب حاجة الولايات المتحدة إلى خلق بؤرة توتر أو نزاع مسلح على الحدود مع روسيا. ومنطقة القوقاز في أوسيتيا الجنوبية، حيث تقع جمهورية جورجيا.
فالمنطقة ما زالت تعج بمجموعات من المتطرفين الذي يصولون ويجولون بأشكال مختلفة في جمهوريات القوقاز التابعة للاتحاد الروسي.
الأزمة بين الجمهورية الوديعة جورجيا، وروسيا أبعد من مجرد أزمة بين دولتين. فهناك أهداف أخرى كثيرة غير معلنة. قد تتحقق نتيجة التوتر الحاصل. قد لا يكون ساكاشفيلي الرئيس الجورجي الشاب وحده المستفيد من الأزمة مع روسيا. فالولايات المتحدة، هي الأخرى قد تجد في التوتر فرصة مناسبة لتوجيه ضربة غير مباشرة ضد روسيا، تربكها وتلهيها عن المضي في استعادة عافيتها.
وحساسية الموقف تكمن في أن جوهر الخلافات الجورجية الروسية يعود إلى عجز ساكاشفيلي عن إعادة فرض سيطرة السلطات الرسمية الجورجية. على إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الساعيين إلى الاستقلال، وهو يحاول منذ فترة اللجوء إلى القوة العسكرية لحل هذه المسألة، إلا أن قوات حفظ السلام الروسية تحول دون تنفيذه لخططه، ولهذا تراه يتهم روسيا بكل صغيرة وكبيرة.
الموقف على الحدود بين جورجيا وكل من أبخازيا وأوسيتيا، أي في المناطق التي شكلت خطوط نار قبل عدة سنوات أثناء النزاع المسلح بين جورجيا وأبخازيا، يزداد توترا كل يوم. والحشود العسكرية على الجانبين في حالة تأهب دائم، زد على ذلك أن حوادث تبادل لإطلاق النار سبق أن جرت، الأمر الذي يجعل المنطقة مفتوحة على احتمال نشوب نزاع مسلح في أية لحظة. وأغلب الظن أن روسيا، باعتبارها قوة حفظ سلام، لن تقف مكتوفة الأيدي، لاسيما أن الأغلبية من سكان الإقليمين المذكورين هم من حملة الجنسيات الروسية.
الأكيد أن جورجيا، كما هي الحال بالنسبة لروسيا، لن تستفيد من تجدد النزاع المسلح في تلك المنطقة، لكن هناك مصالح أطراف خارجية قد تملي على الرئيس ساكاشفيلي -الأداة الطيعة للولايات المتحدة- بالذهاب بعيداً نحو فتح معركة بذريعة استعادة وحدة الأراضي الجورجية، يكون هدفها الحقيقي إعادة التوتر إلى منطقة القوقاز لتكبيل روسيا، والحد من نفوذها، وهو ما تسعى إليه الولايات المتحدة.
تجدد النزاع في منطقة أبخازيا-جورجيا، لن تقتصر على العمليات العسكرية على خطوط النار، بل ستصل النتائج إلى عمق البنية القومية الروسية، حيث التيارات المتطرفة القومية الروسية تنادي بطرد سكان القفقاز وآسيا الوسطى من روسيا.
الحرب في أبخازيا ومع جورجيا قد تؤدي إلى تنمية مشاعر التطرف وسط الشباب الروسي، الأمر الذي ستكون له عواقبه الوخيمة وقد يؤدي إلى نقل المعركة إلى شوارع وساحات المدن الروسية. هذه ليست أفكاراً خيالية، إذ تعلم الأجهزة الأمنية الروسية تماما أن الشجار الجماعي الذي يجرى وسط العاصمة موسكو، كان على خلفية قومية ودار بين متطرفين روس، وشبان من منطقة القوقاز.
بوسع المؤسسات الروسية الرسمية والمدنية المختلفة. أن تضع برامج للحد من ظاهرة التطرف القومي في روسيا، لأن نشوب أي نزاعات قومية أكبر خطر يهدد روسيا في الآونة الحالية، ويبدو أن القوى الخارجية الممتعضة من نجاح السياسة الخارجية الروسية. تحاول اللعب على هذا الوتر، بالتزامن مع التصعيد بين جورجيا وروسيا.
والمؤلم أن القيادة الجورجية لم تدرك بعد أن الثمن الذي تدفعه الآن لن يساوي شيئاً. مقابل ما قد تدفعه في حال نشوب حرب بينها وبين روسيا. فلماذا يورطون جورجيا الوديعة في لعبة الكبار.