بصرف النظر عن تكهنات المراقبين، التي سبقت انتخابات البرلمان الأوكرانية، وتوقعاتهم بأن يحصل حزب «المناطق» بقيادة يانكوفيتش حليف روسيا على أغلبية برلمانية تمكنه من ضرب حصار حول البرتقاليين، سارعت موسكو بتوجيه إنذار حاد للتحالف البرتقالي قبل إعلان النتائج النهائية لفرز الأصوات. بعد أن كشفت النتائج الأولية لانتخابات البرلمان عن أن تحالف يوشينكو ـ تيموشينكو قد يسيطر على الأغلبية البسيطة في البرلمان الأوكراني، ما يعني بالضرورة عودة يوليا تيموشينكو إلى منصب رئاسة الحكومة.

جاء رد موسكو على إمكانية سيطرة البرتقاليين على البرلمان والحكومة على لسان المتحدث باسم شركة (غاز بروم) الذي هدد بتخفيض صادرات الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا، ما لم تسدد حكومة كييف الديون المستحقة السداد نظير الغاز الروسي الذي تم توريده لأوكرانيا، والتي تجاوزت مليارا وربع المليار دولار. بل أن احتكار الغاز الروسي الذي وقع اتفاقية لتوريد الغاز مع حكومة يانوكوفيتش بسعر 135$ للألف متر مكعب، أعلن أن سعر بيع ألف متر مكعب من الغاز إلى أوكرانيا قد يتراوح بين 145 و175 دولارا إذا لم يتغير التشكيل الوزاري الأوكراني).

أما إذا ضم الفريق الجديد نفس الأشخاص الذين فاوضتهم شركة «غاز بروم» في عام 2006 فسوف يصل سعر ألف متر مكعب إلى 230 دولارا.ولابد من التذكير بأن الحكومة الأوكرانية برئاسة يانكوفيتش شكلت عقب المفاوضات المذكورة، وكانت قد أعلنت منذ أكثر من عام عن التزامها بالاتفاقية الموقعة بين البلدين في بداية عام 2006، وتأمل في عدم رفع أسعار الغاز الروسي حتى نهاية عام 2007، ووافقت على مبدأ ربط مستوى أسعار الغاز بمستوى علاقات التعاون الروسية ـ الأوكرانية.

وسارعت الحكومة الأوكرانية بالرد على موسكو على لسان النائب الأول لرئيس الوزراء وزير المالية نيقولاي أزاروف، والذي أكد أن أوكرانيا قد سددت كل التزاماتها المالية لشركة «غازبروم». وتبين أن الديون الأوكرانية ناجمة عن تقاعس عدد من الشركات الأوكرانية التي تستورد الغاز الروسي بشكل مباشر.

وبدأت على الفور جولة جديدة من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، حيث وصل إلى موسكو وزير الطاقة الأوكراني يورى بويكو، ليجرى سلسلة مباحثات مع نائب رئيس الحكومة الروسية ديمترى مدفيدوف.

ويمكن القول إن معركة الطاقة بين البلدين بدأت تعود مرة أخرى لتسيطر على العلاقات بينهما وعلى مصير الصراعات السياسية في أوكرانيا، بعد ان تم التوصل العام الماضي لاتفاق حقق مصالح أغلبية الأطراف. ولكن إنذار موسكو ليس مجرد عملية ردع ساذجة. لأن التحالفات السياسية بين مختلف القوى الأوكرانية مازالت غير محددة المعالم وهشة، حيث يعيد كل طرف حساباته، ويدرس بعناية أرباح وخسائر تعاونه مع هذا الحزب أو ذاك!

الرئيس الأوكراني يوشينكو حصل حزبه على أكثر من 14% من أصوات الناخبين، وبالتالي سيكون التكتل البرلماني المرجح لكفة احدى القوتين، فإذا تحالف مع البرتقالية رفيقة الدرب يوليا تيموشينكو سيسيطر على 229 مقعد في البرلمان .

وسيتمكن من تشكيل الحكومة، ولكن هذا التحالف قد يؤدي لخسارته انتخابات الرئاسة القادمة نتيجة لعوامل كثيرة قد يكون أهمها انه تسبب في ارتفاع الغاز، في نفس الوقت تحالفه مع يانوكوفيتش حليف موسكو قد يضمن عدم حدوث أزمات اقتصادية ويضمن تسوية تحقق الاستقرار، إلا أنه سيفقد شعبية ونفوذ حزب تيموشينكو المتناميين والدعم الأوروبي، وهذا الوضع يضع طموحاته في تولى رئاسة البلاد لفترة ثانية في خطر!!

والسيناريو الأكثر خطورة أن تحالف يوشينكو مع البرتقالية رفيقة الدرب يوليا تيموشينكو يمكن أن يؤدي لانفصال الشرق الأوكراني الغني عن غرب أوكرانيا الفقير، وبذلك لا يتحمل يوشينكو ذنب انقسام البلاد فقط، وإنما ستقتصر سلطاته على المناطق الضعيفة اقتصاديا.

ومن هذا المنظور نفهم أن تحذيرات شركة (غاز بروم) ليس مجرد تهديدات جوفاء، وإنما يمكن أن تعدل الخريطة السياسية التي أفرزتها انتخابات البرلمان، باتجاه الحفاظ على تركيبة السلطة السابقة، كما كانت عليها قبل هذه الانتخابات، وربما تضمن لروسيا تأجيل العديد من الملفات الخلافية التي تستعد تيموشينكو لتفجيرها مع موسكو فور توليها رئاسة الحكومة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر إيجار القاعدة الروسية في القرم وضرورة مغادرة الأسطول الروسي للمياه الإقليمية الأوكرانية، وملف انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وملفات سياسية واقتصادية أخرى.

ولأنه من الصعب فصل السياسة عن الاقتصاد، فإن القوة الاقتصادية تستخدم لحماية مصالح البلاد، والحكومة تطبق السياسات والبرامج التي تحقق مصالح البلاد الاقتصادية، ولعلنا نذكر أن العرب قد استخدموا سلاح النفط في حربهم ضد إسرائيل لدفع القوى العالمية باتجاه موقف محايد يحقق مصالحهم ليس فقط في الملف الفلسطيني وإنما أيضاً في مختلف القضايا المثارة بما فيها تحسين أسعار النفط آنذاك.

واليوم تستخدم روسيا الغاز لحماية آمنها القومي من تسلل القوات الغربية بالقرب من حدودها، ومنظومات الصواريخ والردارات التي تكشف مواقعها الاستراتيجية. وتدعو الغرب لتسوية، حيث توجهت موسكو لمستوردي الغاز الروسي الأوروبيين بتحذير من إمكانية تقليص الغاز الذي يتم توريده إلى أوكرانيا في حال عدم تسوية الديون المتأخرة. ما يعني أن موسكو حرصت على اشراك الجانب الأوروبي في حل المشكلة الاقتصادية والسياسية، لحماية مصالحه.

باعتبار أن أوروبا تحصل على حوالي 25% من احتياجاتها من الغاز عبر أنابيب نقل الغاز التي تمر في الأراضي الأوكرانية. حيث بلغ حجم صادرات الغاز إلى أوروبا في عام 2005 حوالي 145 مليار متر مكعب. ويفترض أن تصدر «غاز بروم» ما لا يقل عن 180 مليار متر مكعب سنويا إلى السوق الأوروبية خلال عام 2010.

ويبدو أن الغرب مازال يرفض الاعتراف بأن الصداقة بين كييف وموسكو تحمل أهمية خاصة بالنسبة للمجمعات الصناعية الأوكرانية التي تقع في شرق أوكرانيا، وتوفر منتجاتها أكثر من 70% من عائدات الخزينة الحكومية.ما يعنى أنه إذا أرد الناتو ضم أوكرانيا لحلفائه في مواجهة روسيا، فسيكون عليه تسديد فاتورة ضخمة لا تقتصر على الدعم المالي والاقتصادي، وإنما تتسع لتشمل تبعات سياسية واجتماعية.

مركز دراسات الطاقة روسيا