لم تكن الحروب العالمية الأولى والثانية التي جاءت على العالم في مطلع ومنتصف القرن الماضي إلا نتاج لصراعات إقليمية صغيرة دفع تجاهل حلها إلى نزاعات وحروب عالمية.

من هنا فإن التحذير الذي ساقه قبل فترة المندوب الأميركي الدائم للأمم المتحدة زلماي خليل زاده من أن نزاعات الشرق الأوسط قد تؤدي إلى حرب أو حروب عالمية، كلام لا يتسم بالاعتباطية وإنما هو كلام العارفين بأن ما يحدث من صراع ونزاع في هذه المنطقة قد يقود إلى حرب عالمية تأتي على المنطقة برمتها.

وعن القادم عليها مدمرا إن لم تتجه الجهود نحو تأسيس لنظام إقليمي جديد يأخذ في اعتباره كل التطورات الجديدة التي جاءت على المنطقة منذ الحرب العراقية الإيرانية مرورا بالغزو العراقي للكويت مرور وأحداث الحادي عشر من سيتمر وانتهاء بالاحتلال الأميركي للعراق وحرب لبنان الأخيرة في يوليو من عام 2006.

ورغم إن مثل هذا التحذير يأتي من الولايات المتحدة الأميركية التي كانت وخلال العقدين ونيف الماضيين طرفا مباشرا وغير مباشر في كل حروب المنطقة الممتدة من أفغانستان مرورا بالكويت وانتهاء بالعراق ولربما لبنان. وبالمقابل فإن هذا التحذير لا يعني إن الولايات المتحدة الأميركية لا تعد العدة لحرب جديدة خاطفة تنهي بها الملف النووي الإيراني كما تنهي بها القوة العسكرية الإيرانية في المنطقة وما تحمله من تهديدات لمصالحها الاستراتيجية على المدى القصير والمتوسط.

ورغم إن الولايات المتحدة الأميركية قد حاولت التهوين من تصريحات وزير الخارجية الفرنسية برنارد كوشنير من أن حربا قادمة على إيران قد أصبحت وشيكة، إلا أن مثل هذا التهوين لا يعني البتة إن الأميركيين قد عدلوا عن فكرة ضربة عسكرية قاصمة للقوة العسكرية والاقتصادية الإيرانية، أو على الأقل تركوا مثل ذلك كخيار يلوح به متى ما بدا التمرد الإيراني متجاوزا للحدود أو مستعصيا على الضبط. وهي مسألة لا بد من أخذها بجدية من قبل الإيرانيين من ناحية والأطراف الإقليمية من ناحية أخرى.

وأعتقد ان فهم العقلية الأميركية هو مدخل مهم لفهم السلوك الأميركي وبالتالي التعامل معه. فقد أثبتت دول المنطقة للأسف الشديد عجزا واضحا عن فهم العقلية الأميركية وبالتالي البحث في المداخل المتاحة للتعامل معها. فالمعطيات والتسريبات الأميركية غير الرسمية كما هي التسريبات في الصحف الإسرائيلية تشير إلى جدية الموقف الأميركي كما هي تشير إلى مجموعة من المعطيات قد يكون أهمها التالي:

أولاً: إن الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الأوروبية الوحيدة بل هي الدولة الوحيدة في العالم القادرة على أن تلحق تهديداتها ودون تردد بأعمال على الواقع، بل إنها الدولة الوحيدة بين الدول القادرة على المغامرة دون النظر مليا فيما إذا ما كان ذلك سيكون صاحب مردود إيجابي أو سلبي على المصالح والوجود الأميركي في الإقليم.

من هنا يجب التذكير فقط إن الولايات المتحدة الأميركية دون غيرها من الدول الغربية المترددة ودون الأخذ في الاعتبار الرفض الروسي والصيني فيما يتعلق بعمل عسكري ضد الصرب، قد أجبرت الصرب ومن بعدهم ملوسوفيتش في يوغسلافيا بالتراجع عن سياسات المكابرة والمعاندة. بل إن عملها العسكري قد أطاح بآخر الحكومات الاشتراكية- الدوغماتية في شرق أوروبا وجاء بحكومة موالية للغرب.

ثانياً: هناك اعتقاد جازم في الأوساط السياسية الأميركية والتي تُصِيغُ مواقفها واتجاهاتها مراكز التفكير والبحوث وجماعات الضغط المختلفة، وتشمل ذلك أوساط الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يقول ان حجم الاختلاف والفروقات في المواقف بين ما قد يسمى بجناح المعتدلين والمتشددين، وكذا بين أقطاب المؤسسة الدينية والسياسية في إيران، فيما يتعلق بالسياسة النووية الإيرانية محدودة جدا.

ثالثاً: هناك اتفاق عام بين كل الأطراف السياسية الأميركية وكذلك بين هؤلاء والأوروبيين من أنهم لن يسمحوا لإيران بامتلاك سلاح نووي مهما كلف ذلك من ثمن، وهم يشعرون إنه إذا لم تستجب إيران لمنطق العقل وترى بعيون أوسع مصالحها ومصالح شعوبها والسلم في المنطقة فإن ما يمكن أن يحدث هو أكبر بكثير من أن تحتمله المنطقة بأي شكل من الأشكال.

فالخيار الذي لا تخفيه الولايات المتحدة والذي قال به كوشنير قبل فترة، والذي سربت بعض أفكاره النيوز ويك والواشنطن بوست الأسبوع الماضي هو خيار مطروح بشدة في الأوساط الأميركية والإسرائيلية. فالخيار الاستراتيجي الذي انتهت إليه الإدارة الأميركية، كما يقول الجنرال المتقاعد ويسلي كلارك في مقال له مؤخرا في الواشنطن بوست.

وهو الذي قاد معركة كوسوفو، يقوم على توجيه ضربة/ضربات قوية ومدمرة لكل المنشآت العسكرية والاقتصادية والحيوية الإيرانية الأخرى، وهو الأمر الذي قد يمتد لأسابيع عدة تجد بعدها إيران عاجزة على الرد إلا عشوائيا. بل إنه يذهب للقول من ان إيران بعدها اما ستكون «مُدمرة مُستسلمة أو إيران المريضة العاجزة والجريحة».

بل تذهب بعض الصحف الإسرائيلية الضاربة لطبول الحرب من ان الهجوم الإسرائيلي الأخير على بعض المنشآت العسكرية الحيوية السورية إن هو إلا «نموذج لعملية مشابهة ضد إيران».

ويصب تصوره في إطار ما أوردته النيوز ويك في الأسبوع الماضي من أن ديك تشيني وهو من أشد صقور الإدارة الجمهورية وأحد أهم مهندسي حرب تحرير الكويت عندما كان وزيرا للدفاع والحرب على العراق« قد درس امكانية قيام إسرائيل بالهجوم على إيران للتسبب في رد متسلسل ينتهي بالحرب».

رابعاً: هناك توجه قوي في أوساط صقور الحزب الجمهوري ورغم الخلاف المحتدم بين الجمهوريين والديمقراطيين من أن الديموقراطيين لا يستطيعون أن يعدلوا كثيرا من الوجود الأميركي في العراق مثلما ان قيام الجمهوريين بعمل عسكري ضد إيران سيحمل تبعاته على الديموقراطيين.

ورغم أن السيدة كلينتون هي من اشد مهاجمي سياسات وإجراءات الرئيس الأميركي الحالي بوش إلا انها إذا ما وصلت للبيت الأبيض فإنها كما يقول أحد الصحافيين الأجانب لا تختلف كثيرا في سياساتها عنه بل انها ستجد نفسها امتداداً لسياساته عندما تدخل غرفة الرئاسة البيضاوية ولن تستطيع أن تغير منها إلا القليل.

خامسا: يشعر متخذو القرار في الولايات المتحدة الأميركية من أن ضربة قوية ومُدَمِرة لإيران سوف قد تزيد من حالة الفوضى في المنطقة إلا انها فوضى ستفضي كما يعتقدون إلى إضعاف القوة الإيرانية أو تشتيتها.

وبالتالي إضعاف الموقف الإيراني المُتعب للوجود الأميركي في العراق وفلسطين ولبنان وبالتالي مصالحها في المنطقة. كما إنها، العملية العسكرية الأميركية، ستمثل رسالة قوية للسوريين مفادها أما السير في الركب أو الخروج منه مدمرين.

أي بمعنى آخر إن سيناريو الحرب الأميركية على إيران يقوم على إضعاف ما يسميه بوش بمحور الشر في الشرق الأوسط وذلك من خلال إخراج إيران من المعادلة الإقليمية وإضعاف الموقف السوري وتحجيم دور حزب الله وفي لبنان وحماس في غزة وفلسطين. ولا يذهب هذا بعيدا عن استراتيجيتها الأولى من الحرب على ملوسوفيتش ومن بعده صدام حسين رغم انحرافها في الثانية.

سادساً: إن الولايات المتحدة الأميركية تعتقد بأن أي عمل عسكري جديد لها ضد إيران سيعطيها القدرة على المبادرة بإعادة صياغة المنطقة على أسس جديدة سواء اسقط النظام الديني في إيران أم اضعف. وبالتالي يتيح لها مساحة وحرية أكبر من الحركة كان قد أضعف من وتيرته، إخفاقاتها العسكرية والسياسية في العراق، خصوصا وإنها الآن مدعومة بمواقف متشددة من (الدولة الجديدة) في فرنسا بقيادة الرئيس ساركوزي، وبموافقة ضمنية من الحلفاء الأوروبيين الآخرين وبصمت ولامبالاة عربية.

ومع ذلك فإن المنطقة تبقى حبلى بالمفاجآت غير المتوقعة والتي تأتي وفق ما لا تشتهيه الولايات المتحدة الأميركية، فاحتلال العراق وغزوه لم يقم الدولة الديمقراطية في العراق أو ينشرها في محيطها الإقليمي، بل، عوضا عن ذلك تناثرت شظايا الإرهاب من حوله.

سابعا: سواء صَدقْ ما ينشر أم لم يصدق فإننا في المنطقة معنيون بما يجري فيها، لذا فإن أي عمل سياسي باتجاه تخفيف حدة التوتر فيها هي قضية استراتيجية يجب أن تعمل عليها كل دول المنطقة بعيداً عن الضغائن المذهبية والخلافات السياسية، لأن ما قد يأتي على المنطقة سيكون مدمراً لنا جميعا ولكل ما استطاعت المنطقة أن تُشيده خلال المرحلة القادمة.

وأعتقد كذلك ان جزءا اكبر من هذا العمل يقع على عاتق الإيرانيين المطالبين بإعادة صياغة سياساتهم ووفق المصالح الاستراتيجية لعموم المنطقة والبعيدة المدى وعلى أسس جديدة تتجاوز حالة الشحن الإيديولوجي والخلافات المذهبية.

إن القوة العسكرية النووية لن تزيد من إيران قوة على قوة. فالباكستان النووية هي اضعف بكثير من النواحي الاقتصادية والسياسية من الكثير من الدول اللا- نووية التي حولها. كما ان تخلي جنوب افريقيا طواعية عن سلاحها النووي لم يضعف من قدراتها الاقتصادية والسياسية بل ان عمليات الإصلاح السياسي الذي مرت بها خلال العقد ونيف الماضيين تحديدا قد أعطاها قوة ونفوذا دوليين فاق كل ما يمكن أن يعطيه لها السلاح النووي.

إنها دعوة لكي يكون العقل دائما مقياساً لعملنا السياسي وليس الهيجان العاطفي والمصالح الذاتية القصيرة المدى والانحيازات الإيديولوجية والمذهبية الضيقة والخانقة والتي لم تأت على المنطقة وشعوبها إلا وبالا، ولنا في ما يجري في العراق عِبَر ودروس.

كاتب بحريني