فارق كبير بين النقد والانتقاد والناقد والمنتقد، وهو تقريبا نفس الفارق بين المعارضة والاعتراض والمعارض والمعترض.
النقد نظرة بعينين اثنتين مفتوحتين ترى الصواب والخطأ، ولا تغمض عينا أو تفتح عينا على الصواب أو على الخطأ، والهدف هو أن ترى الصواب وترصده وتدعو إلى تعميمه، وترى الجيد وتشيد به وتنشر قيمه على الناس، ومن جانب آخر ترى الخطأ وترصده وتنبه إلى تصحيحه، وترى ما هو سييء فترفضه وتحذر منه الناس، وهذا ما ينطبق على كل مجالات النقد الأدبي أو الفني أو السياسي.
بينما الانتقاد هو نظرة مترصدة لا راصدة بعين واحدة ترى الخطأ ولا ترى الصواب، وترصد السيئ وتغمض عن الجيد، وتلتقط الخطأ لا لتنبه إلى تصحيحه ولكن لتشهر به.
والذي يتخذ لنفسه مقعد الناقد في مجال من المجالات لابد من أن يتسلح بالموضوعية وبالمعرفة الدقيقة بالأصول والمعلومات المتعلقة بهذا المجال، وبالمعايير والقيم الحاكمة له مبنى ومعنى أو غاية ووسيلة، ومن سنوات من الدراسة لكل مدارسه الفكرية ولكل تجاربه العملية، ومن المتابعة لكل تجاربه العملية، ثم لابد أن يكون مثقفا في مجاله ويسعى بنقده أن يكون مثقفا لغيره في هذا المجال.
والمعارضة وقوف مع ما تعتقد أنه صواب ورفض لما تعتقد أنه خطأ بغض النظر عن المكسب أو الخسارة الشخصية أو الحزبية أو الفئوية أو المناطقية، وبغض النظر عن كسب الرضي أو نيل الغضب ، وهي كالنقد تماما في النظر للأمور والأعمال والأشخاص بعينين اثنتين، عين ترى الخطأ لمعارضته، وعين ترى الصواب لتأييده، وهذا ما يجب أن يكون موقف الموالاة أيضاً.
بينما الاعتراض هو الرفض المسبق والدائم لكل ما تقوله أو تفعله الموالاة، مثلها مثل الانتقاد هو رصد السلبيات فقط دون الإيجابيات، وإلقاء الضوء على جوانب القصور في الأداء، والتعتيم على الجوانب المضيئة في الإنجازات، والهدف هو إثبات فشل الحكومة سعيا إلى أن تفقد ثقة الناخبين سواء كانت على خطأ أو على صواب.
لكن المشكلة التي تقع فيها بعض تيارات المعارضة تقع فيها أيضا وربما بما هو أسوأ معظم تيارات الموالاة خاصة إذا كانت لها الأغلبية المطلقة في البرلمان بما يسمح لها بتمرير القوانين، فهي موافقة مسبقاً وعلى الدوام على كل مقترحات الحكومة، ومانحة للثقة على الدوام بكل ما تفعله حتى لو كان لا يحظى بموافقة الرأي العام الشعبي.
وهى لا تفتح عيونها إلا على الانجازات، بينما تغمض عيونها عن القصور والأخطاء، ولا تأخذ في الاعتبار رأي المعارضة، ليبقى للأغلبية حق القرار وللمعارضة حق الصياح!
هذا يحدث في العديد من برلماناتنا العربية التي نادرا ما تتشكل من خلال انتخابات سليمة ونزيهة، بلا إقصاء لتيار، أو تغييب لمرشح وراء الجدران، أو منع لمرشحين من الترشيح، أو لناخبين من التصويت ، للحصول على الأغلبية المطلقة بأي ثمن ضمانا لاستمرار السلطة لمن يمسك بالسلطة ويشرف على الانتخابات!
ولن تصلح أحوالنا العامة ولن نتقدم إلى الأمام كأمة عربية وإسلامية إلا إذا كانت منابرنا النقدية عالمة وعادلة وعاقلة بموضوعية ، ومنصاتنا الحاكمة عادلة وعاقلة وعاملة بمسؤولية، وساحاتنا البرلمانية عارفة أنها تحمل أمانة التعبير عن الشعب قبل الحزب، وولاؤها للوطن قبل الحكومة و للمحكومين قبل الحاكمين.
وإلا إذا أصلحنا الدساتير بتوافق الجميع، وعدلنا القوانين بما يحقق العدالة والمشاركة والتكافؤ في الفرص، ويضمن الحقوق للجميع وليس استجابة لمصلحة فئة على حساب فئة دون تهميش أو تمييز، وإلا بقانون انتخاب عادل ومتوازن ومتوافق عليه، وهو ما يتوقف عليه ضمان سلامة العملية الديمقراطية وما إذا كانت حقيقية أم شكلية.
في النهاية نريد حراكاً ثقافياً وسياسياً ناقداً يدفع المجتمع إلى الأمام لا حراكاً مصفقاً ولا منتقداً للموالاة وللمعارضة على السواء، بما يعني التخلي عن المسؤولية والموضوعية، وبما لن يكون له من نتيجة سوى إصابة حركة المجتمع بالسكتة القلبية!