في أوروبا 16 مليون مسلم.. وهم غير مندمجين تماماً في المجتمعات الأوروبية.. ليس لأنهم لا يرغبون في الاندماج ولكن لأن هذه المجتمعات ترفض استيعابهم والاعتراف بأنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي.
الأقليات اليهودية في بلدان أوروبا ترفض الاندماج تماماً انطلاقاً من عقيدة دينية عنصرية من أجل المحافظة على الهوية اليهودية الاثنية، مع ذلك تتعرض الأقليات المسلمة في أوروبا لحرب انتقادية مستديمة لدمغها بأنها ترفض الاندماج الاجتماعي، بينما لا أحد يجرؤ على انتقاد الجاليات اليهودية، وهذه المسألة الجدلية تناولها بالتفحص والموضوعية سايمون كيوبر الكاتب بصحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية.
على مدى نصف القرن الأخير ظلت أعداد متصاعدة من المسلمين ـ خاصة من البلدان العربية ـ تهاجر إلى البلدان الأوروبية لا لأي هدف سوى البحث عن وضع معيشي ومهني أفضل، وربما ترفض أسرة مهاجرة للمرة الأولى فكرة الاندماج في المجتمع الجديد الغريب لكن هل ينطبق هذا على الأجيال التالية المنحدرة من الجيل المهاجر الأول؟
على العكس تماماً فإن أبناء الأجيال التالية لن يكون أمامهم خيار سوى الاندماج في المجتمع الأوروبي بصورة طبيعية تلقائية. إذ انهم منذ مولدهم ينشأون في بيئة غير البيئة التي نشأ فيها أسلافهم المهاجرون. إنهم قد لا ينبذون عقيدتهم الدينية لكنهم يكتسبون اللسان اللغوي الأوروبي مع قواعد السلوك المعتمدة في المجتمعات الأوروبية. وكلما خرجت أجيال جديدة في المهجر كلما كانت أكثر استعداداً للاندماج التلقائي.
أين المشكلة
يقول سايمون كيوبر ان هذا الاستعداد يحبط رفضا اجتماعيا من خلال تعامل تمييزي ضد شباب المهاجرين يمارسه المجتمع الأوروبي بتشجيع ضمني غير مباشر وغير معلن من أجهزة الدولة، فبعد 50 عاماً من هجرة الجيل الأول وحتى اليوم تبقى معدلات البطالة بين الشباب المسلمين عالية جداً رغم انهم مواطنون بحكم القانون، فالمؤسسات الإنتاجية والخدمية سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص تمارس تحايلاً على القانون بشتى الوسائل لحرمانهم من التوظيف.
هستيريا «الحرب على الإرهاب» التي انطلقت بعد «أحداث سبتمبر» في الولايات المتحدة عام 2001 شحنت المشاعر الأوروبية ضد الأقليات المسلمة.. لكن التمييز ضد المسلمين المهاجرين سابق على هذه الأحداث بعشرات السنين، وبالطبع فإن الحملة الإعلامية الغربية الضاربة التي انبثقت عن هذه الأحداث تؤجج من هذه المشاعر.. بل وتلهبها كلما بدا أنها تخبو.
ويبقى السؤال المطروح؟
لماذا تبقى الجاليات اليهودية في البلدان الأوروبية بمنأى عن أي انتقاد لرفضها الاندماج بينما يجري استهداف المسلمين هناك رغم أنهم يحبذون الاندماج؟
ليس من المبالغة أن نقول إن المؤسسات اليهودية نفسها النافذة في بلدان أوروبا هي التي تدير لأسباب سياسية عملية التمييز ضد الأقليات المسلمة من خلال سيطرتها على أجهزة السلطة والمؤسسات الإعلامية الأوروبية.