تختصر القدس جوهر الصراع العربي الإسرائيلي منذ نكبة اغتصاب فلسطين عام 1948 وحتى الآن، فالمعركة على تهويد القدس وطمس هويتها العربية الإسلامية يظل هدفاً صهيونياً ثابتاً على اختلاف وتعدد الانتماءات الحزبية للحكومات الإسرائيلية. ويفرض علينا تفعيل وتطوير خططنا للمواجهة وفقاً للمتغيرات على أرض الواقع وموازين القوى الإقليمية والدولية، وإعلاء قيمة المشاركة الشعبية في الدفاع عن عروبة المدينة المقدسة.
والحاصل أن هزيمة يونيو 1967 وفرت لجيش الاحتلال فرصة نادرة لبدء تنفيذ مخططاته للسيطرة على المدينة المقدسة، وتفريغها من سكانها العرب، وبدء عمليات لهدم المسجد الأقصى الشريف، بعد حصار محيطه بمستوطنين صهاينة، والقيام بحفريات تهدد أساساته، وتتيح لهم تدنيسه، وإقامة «حائط المبكى » المزعوم محل حائط البراق.
وجاءت أبرز الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى بعد هزيمة 1967 مباشرة، عندما أقدم مستوطن صهيوني على إحراق منبر المسجد، وكاد يدمر كل أركانه لولا هبة الفلسطينيين المقدسيين لإنقاذ أولى القبلتين، وتنادى العرب والمسلمون لتشكيل لجنة القدس لمتابعة كل جهود دعم مقاومة مخططات التهويد.
وحينما أعلنت إسرائيل في العام 1980 أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لها، كانت تدشن خطة عمل طويلة المدى لتهويدها، وحصلت مباشرة على دعم الكونغرس الأميركي الذي اصدر قرارات تؤيد إعلان المدينة عاصمة لإسرائيل. ولهذا، بدأت إسرائيل في شهر سبتمبر 1995، احتفالية الألف الثالثة لإعلان القدس عاصمة لمملكة يهوذا واستمرت الاحتفالية عاماً كاملاً.
على أن الموقف العربي يستند إلى قرارات الأمم المتحدة التي بدأت بقرار الجمعية العامة بتقسيم فلسطين ثم قرارها القاضي بتدويل مدينة القدس ومروراً بقرار مجلس الأمن 242 الذي يعتبر القدس العربية أرضاً محتلة، وقراره 252 الذي طلب من إسرائيل إلغاء جميع إجراءاتها - الرامية إلى تغيير وضع القدس، وقراره 456 (1980) الذي دعا إلى تفكيك المستوطنات القائمة والتوقف عن بنائها وبخاصة في القدس، ثم قراره 478 (1980) الذي رفض الادعاء بأن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ودعا القرار دول العالم إلى عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لها.
والشاهد أن المفاوض العربي خلال مفاوضات التسوية سواء في كامب ديفيد (مصر) أو وادي عربة (الأردن) ظل على ثباته في التمسك بعروبة القدس، وكونها عاصمة لدولة فلسطين. ومن المعروف أن إسرائيل تمسكت بأن القدس الموحدة تحت السيادة الإسرائيلية وغير قابلة للتفاوض. غير أن الجانب الإسرائيلي حصل في مفاوضات أوسلو السرية على ما لم يحصل عليه في مفاوضات سابقة، فقد أقر المفاوض الفلسطيني بتأجيل النظر في مستقبل القدس إلى مفاوضات ما سمي بالوضع النهائي الفلسطيني. وتم استثناء هذه القضية من مسيرة الحكم الذاتي الانتقالي للضفة وغزة.
وفى المحطة الراهنة من الصراع وقبل الانتقال إلى مؤتمر الخريف المقرر بدعوة من واشنطن، ينبغي على العرب توحيد مواقفهم والتمسك بثوابتنا وفى مقدمتها الحفاظ على عروبة القدس كمدينة موحدة وعاصمة للدولة الفلسطينية، وعدم الانجراف خلف الوعود المراوغة والمناورات التي تهدف للتسويف، وإتاحة الوقت لتمرير مخططات تهويد المدينة وإحكام السيطرة الصهيونية عليها.
وليس من المعقول أن يذهب العرب إلى هذا المؤتمر وهم منقسمون، وأشقاؤهم الفلسطينيون غارقون في صراع عبثي، يهدر الطاقات ويبدد فرص قيام دولة فلسطينية.
ويأتي على رأس المهام العاجلة عربياً، ضرورة تفعيل لجنة القدس وتنشيطها، وانخراطها في العمل اليومي الذي يبذله المقدسيون دفاعاً عن مدينتهم. وتوفير الدعم المالي والسياسي والإعلامي والثقافي، حتى يمكن إفشال خطط تهويد المدينة.
وإزاء ضراوة الحملة والخطط الإسرائيلية لا ينبغي أن يختزل دور لجنة القدس في مجرد بيانات ليس لها قوة التأثير أو القدرة على التغيير، فالقدس بانتظار جهد كل عربي ومسلم يرغب في إنقاذها من دنس الاحتلال، يعيد لها بهاء مدينة السلام والمحبة والتعايش بين الأديان، وينفض عن أبوابها دنس العنصرية الصهيونية.
