من أخطر المجازفات التلاعب بوعي الجماهير بتحفيز المشاعر بإيقاظ روح القبيلة وباستعادة الماضي أو استغلالهم بشعارات رأينا كيف تطرّف من خلالها القوميون، والشيوعيون والعنصريون وتقاتلوا على مبادئ من يملك الحق والحقيقة لتتبعهم سلسلة من نشوء قواعد للتطرف الإسلامي الذي حاول شق المسلمين إلى فئات ومذاهب، وكفار ومتدينين.

بينما ندرك أن الوطن، كما يقول أحد المفكرين، هو مسرح اجتماعي يمثل فيه الجميع أهدافاً إنسانية وحضارية، ويؤدي كلّ دوره بشروط التمايز بالمعارف وليس بالجذور أو التعصب للمناطقية أو القبلية، وإنما من خلال الدولة والهوية الوطنية التي تكفل للجميع التساوي بالاشتراطات التي تتيح للجميع الحقوق المتوازنة.

في الشهور الماضية أثير موضوع مسابقة (مزايين الإبل) وقد يكون الهدف إحياء تقليد وطني ربط هذه الحيوانات مع النخلة والشمس والألبان بالمحافظة على حياة هذا الإنسان الذي عاش في بيئة شحيحة يتقاتل فيها الأفراد والجماعات بنزعة البقاء، لكن يبدو أن هذه التظاهرة تحولت إلى تظاهرة قبلية أخرجت المضمون والهدف إلى إحياء روح العصبية القبلية، ومخاطر هذا الأمر أن المملكة محاطة بدول عربية لها نفس التنوع القبلي والعشائري، ونفهم أنه لولا قبضة الدولة وجعل الشريعة الإسلامية الحكم في القضايا الجوهرية، لربما عادت تلك العصبيات وانتشرت لنعود إلى نقطة الصفر.

يقال إن موطن الإبل ليس الجزيرة العربية، لأن أصحاب موسوعات الحيوان اعتقدوا أن بداياتها نشأت في أميركا الشمالية، وهناك من اعتبرها من قوائم حيوانات حوض النيل، وآخرون أدخلوها ضمن سلسلة الكائنات الهندية، وبصرف النظر عمن أعطى الصفات والسلالات والأرومة التاريخية لكل قبيلة اختصت بنوع ما فالحقيقة أنها تبقى حيوانات استؤنست واستوطنت وبقيت محافظة على وجودها نتيجة الحاجة لها من قبل الإنسان، عكس الحيوانات الأخرى التي انقرضت بفعل بشري أو عوامل بيئية أخرى في أرضنا.

ما نريد أن نصل إليه هو أن نرجّح حسن النوايا على غيرها بكل قبائلنا، لأنها تبقى مكوّناً أساسياً للوطن، لكن أن نعيد شاعر القبيلة ورموزها، وجمع التبرعات في سباق أقرب إلى التمايز والتضاد، فإن القضية خرجت عن هدفها لتشكل مع شاعر المليون إبراز القيم المرفوضة التي تعيدنا إلى ما قبل توحيد هذا الوطن.

بينما نرى التحولات الاجتماعية أن القبيلة استوطنت المدينة وعلاقتها مع المرعى وبيئة الصحراء، تحولت إلى تحديات المدينة بما فيها الانصهار الاجتماعي وحتى المدن التي أخذت مسميات القبائل في الماضي حولتها هجرات الريف والمناطق الأخرى إلى مستوطنات حضرية ذات تنوع بشري مختلف عن تلك الواحات الصغيرة التي تحيط بها بيوت الشعر والبادية التي تهاجر بالشتاء وتستقر بالصيف حول تلك الواحات..

فالنشأة التي عاشها أجدادنا غيّرها طوفان المدينة الحديثة، وما لم يترافق وعي شامل بأننا مؤتمنون على حماية وطن وأن نضع الماضي تحت مشرحة التحليل باعتباره ليس مقدساً أو عاملاً تُبنى عليه حياتنا المعاصرة بحيث تعود مراسم القبيلة كقوانين حياة ضد مشروعنا الحضاري الراهن فإننا نجازف بما بنيناه خلال عقودنا الماضية وما قبلها، ثم إننا مدعوون لإنشاء علم اجتماعي وطني يدرس الخلفيات التاريخية وظواهرها، وكيف تعيش بيننا بسلبياتها دون أن نعي كيف تبرز عند أي سبب يحرّكها، وهي قضايا لابد أن نراعيها حفاظاً على أمننا ووحدتنا الوطنية..