على ما يبدو، أن التفاعلات الفلسطينية الداخلية «السلبية» وحالة التنافر المتواصلة منذ فترة من الزمن بين موقعي الرئاسة (رئاسة السلطة، رئاسة الحكومة) حفزت قوى اليمين الصهيوني على تحشيد الجمهور اليهودي في إسرائيل خلف مواقفها المتطرفة، فأثرت أكثر من التصريحات السلامية الفلسطينية التي صدرت ومازالت من قبل أقطاب مسؤولة في السلطة الوطنية الفلسطينية.

ومن داخل حركة فتح. كما دفعت التطورات المشار إليها جمهور المستوطنين للتشدد في مسألة إعادة هضبة الجولان السورية المحتلة كثمن لابد منها أمام أي استحقاقات سلمية مع سوريا.

وتشير فحوى نتائج استطلاعات الرأي في إسرائيل المنشورة مؤخراً، بأن عدد الذين يقدرون أنه يوجد أمل في أن تتوصل إسرائيل إلى سلام مع الفلسطينيين ومع لبنان وسوريا في السنين الخمس القريبة منخفض جداً أيضا.

على هذه الخلفية يمكن أن نفهم النسبة الضئيلة بين الجمهور اليهودي على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 التي تتحدث عن سلام كامل مع سوريا، مقابل الانسحاب التام من هضبة الجولان (16% يؤيدون، مقابل 70% يعارضون، أما الباقون فلا يوجد لهم رأي واضح).

هذه النتيجة تقوي المعطى الذي تم الحصول عليه في الاستطلاع السابق الذي أجرته مراكز البحث الهامة في إسرائيل، حيث كانت نسبة المعارضة (71%) هي العليا التي قيست منذ عُرض السؤال لأول مرة في منتصف التسعينات. في المرة السابقة التي سُئل السؤال فيها، في بداية يناير 2005، وقفت نسبة معارضي الصيغة عند 59% ونسبة المؤيدين عند 21%.

يتبين أن سوريا ليست الجهة الإقليمية الوحيدة التي تتمتع باحتمالات سلام منخفضة معها. إن 10% من المستطلعين اليهود يعتقدون أنه يوجد احتمال مرتفع للسلام مع الفلسطينيين في السنين الخمس القريبة، في حين يقدر نحو من الثلثين (64 %) الاحتمال كمنخفض أو منخفض جدا.

وهو الحكم على ما يتصل بلبنان - إن 18% فقط يقدرون الاحتمال كمرتفع أو مرتفع جدا، بمقابلة 56% يقدرونه كمنخفض أو منخفض جداً. يبدو أن هذه التنبؤات يغذيها التقدير السائد أنه لا يوجد أي طرف من الأطراف الثلاثة معني بالسلام مع إسرائيل. ويعتقد 23% فقط من اليهود أن الفلسطينيين معنيون جداً أو معنيون بالسلام، وتعتقد نسبة مشابهة نفس الشيء فيما يتعلق بلبنان. ويقدر 17% فقط أن سوريا معنية أو معنية جداً بالسلام مع إسرائيل.

ومع ذلك، يوجد بين أفراد التجمع اليهودي على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 أكثرية ممن يعتقدون أن السلام مع الفلسطينيين ومع لبنان ضروري لإسرائيل. بينما يرى 61% أن السلام مع الفلسطينيين ضرورياً، ويرى 54% بأن السلام مع لبنان كذلك. أما الصورة فيما يتعلق بسوريا فمخالفة قليلاً، حيث يرى 48% فقط يقدرون أن الحصول على السلام معها ضروري.

يبدو أن الشعور بأن السلام يصعب الحصول عليه يعزز الشعور الوطني. قال 5 ,88 في المئة من المستطلعين اليهود أنهم يوافقون أو يوافقون تماما على أن من الأفضل لهم أن يكونوا مواطنين في إسرائيل على أن يكونوا مواطنين في أية دولة أخرى (يعارض 10 في المئة هذا القول). هذه النسبة أعلى مما حُصل عليه في عام 2003، حيث وقفت نسبتا الموافقة والمعارضة عند 4 ,79 في المئة، و4, 16 في المئة على التوالي.

إن الأرقام المشار إليها تعطي صورة واضحة تتعلق بمسار الرؤية التي تتشكل صعوداً وهبوطاً داخل التجمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين التاريخية بالنسبة لمصير ومستقبل عملية السلام المنهارة أصلاً، خصوصاً مع الحراكات اليومية التي تتوالى ومازالت في المنطقة، من العراق إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

إن التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين ليس كتلة ستاتيكية ساكنة هامدة، بل يخضع بالضرورة لعوامل التغيير، وعوامل الحياة اليومية كما تخضع المادة المعدنية لعوامل التأكسد بدرجات متفاوتة طبقاً للشروط القائمة ومعطياتها.

وعليه فإن دولة الكيان الإسرائيلي ليست بعيدة عن التأثر بالعوامل الداخلية والمحيطة، والإقليمية والدولية، فبعيداً عن استفحال نزعات التطرف في إسرائيل، باتت كتلة نسبية يهودية تطرح الأسئلة المتعلقة بالمصير النهائي لدولة إسرائيل وسط منطقة تعج بدولها وشعوبها التي توحدها عوامل كثيرة، بدءاً من المصير المشترك انتهاء بالأهداف العليا الواحدة.

كاتب فلسطيني ـ دمشق