«الشيطان وصل» هكذا عنونت جريدة «الدايلي نيوز» خبر وصول الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى نيويورك. كما شنت غالبية الصحف في نيويورك وواشنطن هجوما عنيفا ضد الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وتساءلت هل يستحق إعطاءه الفرصة لمخاطبة الطلبة في منتدى جامعة كولومبيا.
أما بالنسبة للطلاب والفضوليين في جامعة كولومبيا فرفعوا يافطات وشعارات «اذهب إلى الجحيم يا أحمدي نجاد». أما بالنسبة لرئيس جامعة كولومبيا «لي بولينجر» فعبارات الاستقبال كانت على النحو التالي:
«السيد الرئيس، إنك تمثل كل مظاهر الدكتاتور التافه والوحشي». فالدعوة جاءت من جامعة كولومبيا والإهانة والحقد والضغينة جاءت من السلطة العليا في الجامعة وبالتحديد على لسان رئيسها الذي أصر على أن الرئيس الإيراني لا يتوفر على الشجاعة العلمية والفكرية الكافية ولا على شهادة علمية عالية حتى يعترف بالحقيقة. والغريب في الأمر، أن السيد رئيس جامعة كولومبيا يجهل أن أحمدي نجاد حاصل على شهادة الدكتوراه.
ما حدث في جامعة كولومبيا وهي تستضيف الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يؤكد غطرسة أمريكا ورفضها لكل من ينظر إلى الأشياء برؤية ومنطق يختلف عن منطق الولايات المتحدة الأميركية.
وعندما تأتي الغطرسة والعنجهية من مؤسسة أكاديمية بحجم جامعة كولومبيا وعندما تأتي الإهانة وسوء المعاملة من رئيس الجامعة، الذي من المفروض يكون رجل العلم والحوار والنقاش البناء والتسامح والتفاهم، فهذا يعني أن شعارات حوار الديانات وحوار الحضارات هي مجرد كلام فارغ من أي محتوى.
المعروف عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية أنها دولة ترعى الإرهاب وتخصب اليورانيوم لتطور الأسلحة النووية لتعتدي على الآخرين، كما أنها دولة تقمع المعارضين وتنتهك حقوق الإنسان وتسجن الصحافيين والمثقفين. محاور الندوة المتفق عليها شملت النقاط التالية:
نفي الرئيس الإيراني للهولوكوست، دعوته العلنية لتدمير دولة إسرائيل، دعم ورعاية الإرهاب وضرب المصالح الأميركية في العالم، الملف النووي، وانتهاك حقوق الإنسان والحريات الفردية واعتقال الصحفيين.
ما حدث في أمسية 24 سبتمبر الماضي في منتدى جامعة كولومبيا هو إهانة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية من قبل رئيس جامعة كولومبيا حيث أن الأخير كشف عن حقده وكراهيته وإهانته لضيفه فاعتبره ووصفه بالدكتاتور التافه والوحشي. لكن الرئيس أحمدي نجاد بلباقته ودبلوماسيته عرف كيف يتحكم في أعصابه ويلقن الأستاذ الأكاديمي الجامعي رئيس جامعة كولومبيا درسا في الأخلاق والإيتيكت وآداب استقبال الضيف وإكرامه.
ففي مداخلته أشار الرئيس الإيراني إلى الشتائم والقذف الذي تعرض له إلى جانب الأخطاء الكبيرة والأحكام المسبقة العديدة التي وردت في مداخلة رئيس الجامعة لي بولينجر. أحمدي نجاد أكد أن رئيس جامعة كولومبيا حكم على مداخلته قبل أن يلقيها على الطلاب وحكم على أن المداخلة غير مقبولة في وسط أكاديمي وعلمي مثل حرم جامعة كولومبيا.
فاختلاف أمريكا وإدارة وأساتذة جامعة كولومبيا مع الرئيس الإيراني ومع السياسة الإيرانية لا يبرر بأي حال من الأحوال سلوك رئيس الجامعة مع ضيفه والتناقض الصارخ هنا هو كيف نقدم دعوة لرئيس دولة لتقديم محاضرة في منتدى ثم نصف هذا الضيف المدعو أنه دكتاتوري وتافه ووحشي.
وكيف نحكم على أن ما سيقوله هو مجرد هراء وكلام فارغ! يحدث هذا داخل حرم جامعة كولومبيا، والتي كأي جامعة في العالم، يفترض أن تكون مؤسسة المنهجية العلمية والبحث العلمي للوصول إلى العلم والمعرفة والحقيقة.
الرئيس الإيراني ردا على سوء معاملته قال أن في الجامعات الإيرانية يفسح المجال أمام الطلاب للوصول إلى الاستنتاجات والحكم على الأشياء بدون أن تفرض عليهم آراء وأفكار مضللة وأحكام مسبقة .فمن خلال إجاباته على أسئلة الطلاب ذكّر الرئيس الإيراني رئيس الجلسة العميد جون كوتسورف أنه كان يطرح السؤال وينتظر الإجابة التي يريد أن يسمعها.
وهذا تناقض صارخ مع حرية الفكر والرأي والتدفق الحر للمعلومات. الرئيس الإيراني يؤمن بالفرق بين اليهودية والصهيونية، حيث أن الأخيرة هي حركة عنصرية استعمارية استيطانية صنفتها منظمة الأمم المتحدة كحركة عنصرية وانتقدها مفكرون كبار عبر العالم ومن بينهم يهود.
وما أكد عليه أحمدي نجاد هو أن الكيان الصهيوني باستيلائه على الأراضي الفلسطينية يمارس يوميا إرهاب الدولة ويخترق كل الأعراف والقوانين الدولية. أما عن الهولوكوست، فلم ينكره الرئيس الإيراني وإنما أكد أنه حادثة تاريخية تستحق الدراسة والتحقيق والاستقصاء للتأكد من حقيقتها وأرقامها مثلها مثل أي حدث تاريخي. كما أكد على أن الفلسطينيين ليسوا مسؤولين عنها ولا هم مطالبون بدفع الثمن عن أخطاء من ارتكبوها.
فمساءلة الهولوكوست ليست جريمة ولا يجب محاكمة وسجن المفكرين والباحثين والمؤرخين الذين يبحثون فيها، وهذا ما حدث لرجاء جارودي وغيره من المؤرخين والباحثين المهتمين بالكشف عن خبايا وأسرار التاريخ، مع الأسف الشديد. أما بالنسبة لموضوع القضاء على دولة إسرائيل فكان رد الرئيس واضحا حيث قال إن دولة إسرائيل ستزول في المستقبل كما زال وأنهار الاتحاد السوفييتي، لأنها دولة مبنية على الباطل وعلى أسس واهية.
فالمطلوب من جامعة عريقة مثل كولومبيا هي المساءلة والبحث والاستقصاء للوصول إلى الحقيقة وليس العكس حيث إن المنطق العلمي يؤمن بالنسبية ولا يوجد أي شيء مطلق في العلم. الرئيس الإيراني كان هو الفائز الكبير في منتدى جامعة كولومبيا .
حيث استطاع أن يخاطب الشباب الأميركي برؤية ومنطق يختلف تماما عما تعودوا عليه في وسائل الإعلام الأميركية من رسائل حبلى بالصور النمطية والأفكار المسبقة والتضليل والتعتيم وإلى غير ذلك.
كان من حق رئيس جامعة كولومبيا أن ينتقد إيران وسياساتها وتعاملها مع قضايا عديدة، وكان من حقه أن يختلف مع الرئيس الإيراني وينتقده، لكن لم يكن من حقه أبدا أن يسيء التعامل لرئيس دولة جاء بدعوة رسمية من جامعته لمخاطبة طلاب الجامعة والرد على أسئلتهم. السيد لي بولينجر رئيس جامعة كولومبيا، من خلال كلمته، عبر عن الحقد والكراهية والأفكار المسبقة والصور النمطية التي تستولي على فكره وعقله.
فالكلام الذي تفوه به لا علاقة له بالخطاب الأكاديمي الجامعي العلمي المبني على العقل والمنطق والمنهج العلمي. فالبيئة الأكاديمية هي بيئة الاختلاف في الرأي، والرأي والرأي الآخر والنقد، والاستقصاء والحوار والنقاش المبني على احترام الآخر مهما بلغت درجة الاختلاف. هل من حق جامعة كولومبيا ورئيسها التعامل مع أي شخصية من الشرق الأوسط على أنها إرهابي؟
وهل هذا يعني أن هذه النظرة تفتح الطريق أمام الكل لشتم هذه الشخصية وعدم احترامها وإهانتها. وهل إذا اختلفنا في الرأي مع الآخر يحق لنا أن نشتمه وأن نسلط عليه كل عبارات الإهانة والازدراء والاحتقار وعدم اللياقة والاحترام.
وإذا اختلفنا في الرأي مع الآخر هل يعني هذا أننا نحكم مسبقا على أقواله بأنها مجرد شعارات جوفاء وكذب واستهتار بعقول الآخرين. إذا جاءت هذه الأشياء من عند شباب مراهقين أو طلاب متحمسين أو فضوليين حاقدين، يمكننا تقبل الوضع إلى حد ما، أما إذا جاءت هذه التصرفات من رئيس إحدى الجامعات العريقة والمشهورة في العالم فهنا الخطر الكبير وهذا يوحي ويشير، مع الأسف الشديد، أن المثقفين والمؤسسات الأكاديمية والعلمية الكبيرة في العالم أصبحت جزءا لا يتجزأ من النظام ووسيلة خطيرة في يد المتلاعبين بالعقول .
وفي يد اليمين المتطرف وصقور البيت الأبيض الذين ينظرون إلى العالم من زاويتهم الخاصة ومنطقهم الخاص ويفرضون على العالم بأسره نفس النظرة، ومن يعارض أو يختلف في الرأي فهو ضد أميركا وضد الحرية وضد حقوق الإنسان.
ما حدث في منتدى جامعة كولومبيا وطريقة التعامل مع الرئيس الإيراني يشير إلى أن بعض الجامعات ومراكز الأبحاث والأوساط العلمية والأكاديمية والنخبة المثقفة في أميركا تقوم بالتنظير والتبرير للغطرسة والهيمنة الأميركية على العالم.
كلية الاتصال جامعة الشارقة