السؤال الذي نود طرحه منذ البداية هو بكل بساطة التالي:من هو جان ماري لوبن؟ والجواب هو:انه الزعيم الأوحد لليمين المتطرف في فرنسا. وهو بدون شك أشهر زعيم لليمين المتطرف في كل أنحاء أوروبا وربما الغرب كله.

نقول ذلك على الرغم من كسوف نجمه في الآونة الأخيرة بعد صعود ساركوزي إلى سدة الرئاسة الفرنسية. فالرجل يتميز بشخصيته القوية، وقدرته على الاستهزاء بخصومه، وسرعة بديهته في الرد على أسئلة الصحفيين وحضوره التلفزيوني الضخم. ويمكن القول بان مشاهدته على شاشة التلفزيون أكثر إمتاعاً من رؤية أي فيلم مصارعة.

وبعد انتصار الديغولية عاد لوبّن إلى الظل كبقية زعماء اليمين المتطرف وظل مغموراً أو مهمّشاً من الناحية السياسية ما دام ديغول في الحكم. والواقع أن شخصية ديغول القوية جداً غطَّت على كل ما عداها.

نقول ذلك على الرغم من ان جماعة لوبن حاولوا اغتياله أكثر من مرة. وكادوا ان ينجحوا في إحدى المرات ولكن العناية الالهية نجته من براثنهم فأخمد صوتهم وقصم ظهرهم بعد ان حل المشكلة الجزائرية وتفرغ لهم.

ولم يعد لوبن إلى الظهور من جديد إلا في أوائل الثمانينات: أي بعد موت ديغول بعشر سنوات. فبدءاً من ذلك التاريخ راح ينظّم صفوف اليمين المتطرف بشكل فعّال. وأخذت أسهمه ترتفع شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى وصل إليه لاحقاً من قوة وجبروت (أي نسبة 17 بالمائة من أصوات الشعب الفرنسي).

ما هي الأفكار الأساسية التي طرحها والتي أدت إلى صعوده والتفاف الفرنسيين حوله؟ لقد لخصها في خطابه الشهير الذي ألقاه في قريته الصغيرة أمام قادة الجبهة القومية الفرنسية.

قال ما معناه: «إن الوطن في خطر. والفرنسيون مهددون بالغزو من الخارج وبالاستعباد داخل وطنهم الخاص بالذات. ولذا قررت أن أتحرك، فالأمور لم تعد تحتمل الانتظار.

لقد قررت أن انخرط في المعركة الحاسمة من أجل مستقبل فرنسا. فالأحزاب السياسية التقليدية من يمينية ويسارية أصبحت مهترئة وغير قادرة على مواجهة الوضع. إن تناقص عدد الفرنسيين وازدياد عدد الأجانب على أرضنا أصبح يهدد مصير البلاد...».

هكذا راح لوبن يركز على موضوعاته الأساسية ويطرح شعار «فرنسا للفرنسيين» ويهاجم تزايد عدد الأجانب، وبخاصة السود والعرب والمغاربة عموما. وعلى الرغم من أنه لم يتجرأ على مهاجمة اليهود مباشرة (أو صراحة) إلا أنهم تصدوا له وأوقعوا به.

فالعرب على الرغم من عددهم الكبير في فرنسا غير قادرين على مواجهته لأن نفوذهم السياسي والإعلامي والمالي لا يزال ضعيفاً جداً. وحدهم اليهود قادرون على ذلك بسبب حضورهم الكبير في وسائل الإعلام ونفوذهم الهائل في الأوساط السياسية والمصرفية والثقافية والتلفزيونية والإعلامية...

وقد تم الإيقاع به بتاريخ 13 سبتمبر عام 1988 عندما قال بأن ما حصل لليهود أثناء الحرب العالمية الثانية كان عبارة عن «تفاصيل ثانوية لا أهمية لها»!!®.

وجن جنون اليهود عندئذ وشنّوا عليه حملة إعلامية ضخمة عن طريق التلفزيون والراديو والصحافة. وكانت الحملة من القوة والضراوة بحيث أنها استمرت عدة أيام متواصلة. وهكذا أرعبت قادة اليمين المتطرف فسحقتهم سحقا وجعلتهم يختفون عن الأنظار لبضعة أيام، وحاول لوبن ان يبرر موقفه فيما بعد وان يتراجع ولكن ذلك لم ينفعه كثيرا. ولا تزال قصة التفاصيل الثانوية تلاحقه حتى الان.

.فراح يهاجم اليهود قائلا بأنهم أصبحوا الطبقة المهيمنة في المجتمع الفرنسي بل ويسيطرون حتى على الأكاديمية الفرنسية التي اصبح نصف أعضائها منهم. وقال بان هذا الوضع لا يمكن ان يستمر إلى الأبد..وقال أشياء اخرى كثيرة أشد خطورة..ونقلت الصحفية كل هذا الكلام مسجلا بالصوت وأعطته لاحدى المجلات الفرنسية التي نشرته كاملا وفجرت قنبلة موقوتة.

وأدت هذه الفضيحة وما تلاها إلى إجهاض مشروع كان البعض يحضرون له من اجل اقامة تقارب بين لوبن والطائفة اليهودية في فرنسا. ويبدو ان هذا المشروع كان قد مشى شوطا بعيدا من حيث التحضيرات الا ان قصة التفاصيل الثانوية جاءت لكي تحبط كل شيء.

في الواقع ان لوبن كان يدرك انه لن يحتل مكانته في الساحة السياسية الفرنسية اذا لم يتصالح مع الطائفة اليهودية بشكل او بآخر. ولذا أرسل بعض رجالاته إلى إسرائيل لجس النبض حيث أجروا اتصالاتهم ووافق اليمين الإسرائيلي على الفكرة باعتبار انه يجمع بين الطرفين كره العرب ..وكان من المتوقع ان يصل لوبن إلى تل ابيب وان يستقبله الجنرال شارون شخصيا في المطار.

ولكن العملية أحبطت من أساسها بسبب تصريحات لوبن الاستفزازية التي يبدو انها فلتت منه على غير وعي. واشتعلت المعركة من جديد بينه وبين زعماء الطائفة اليهودية الفرنسية. فكيف كان موقف لوبن؟

لقد حاول ان يخفف من نقمة اليهود عليه قائلا بما معناه: اني أدين ما ارتكبته النازية في حق الشعب اليهودي من جرائم. ولكن الصحفيين فسروا كلامي خطأ. فأنا لم أستخدم كلمة التفاصيل الثانوية بالمعنى السلبي للكلمة. فلو فتحنا القاموس لوجدنا ان كلمة تفاصيل تعني جزءا من كل. وإذن فما حل باليهود أبان الحرب العالمية الثانية كان جزءا من كل.

فضحايا هذه الحرب تجاوزوا الخمسين مليون نسمة واليهود جزء منهم. لقد مات في معسكرات الاعتقال ملايين اليهود والغجر والمسيحيين الوطنيين أيضا. ثم أنهى لوبن تصريحه قائلا: اني أعبر لمواطني اليهود الفرنسيين عن محبتي وأقول لهم بان فرنسا تحب كل أبناءها أيا يكن عرقهم او دينهم..

ولكن هذا التصريح على الرغم من قوته لم يؤد إلى التقارب مع اليهود. فهؤلاء لا يثقون بحزب لوبن لانهم يعرفون انه يحتوي على الكثير من الفاشيين الذين تآمروا عليهم اثناء الاحتلال الألماني لفرنسا.

يضاف إلى ذلك انهم يرفضون وضع الضحايا الآخرين على قدم المساواة مع ضحاياهم لسبب بسيط: هو ان اليهودي كان يلاحق ويقتل كيهودي أثناء الحرب العالمية الثانية وليس كمعارض سياسي للنازية من جملة معارضين آخرين. وهنا يكمن بالفعل الطابع الاستثنائي المرعب والوحشي للمحرقة اليهودية. ولكن يبقى صحيحا القول بان هناك مجازر أخرى مرعبة في التاريخ ليس أقلها تلك التي حلت بالفلسطينيين على مدار خمسين سنة متواصلة على أيدي بعض اليهود بالذات.

وهكذا انتقلنا من محرقة إلى اخرى وتحولت الضحية إلى جلاد. وهذا من المفارقات الكبرى في التاريخ. نقول ذلك على الرغم من ان ما حصل قد حصل بكل مآسيه وفواجعه وان الحل التفاوضي السلمي ابتدأ يرتسم على الأفق المنظور على الرغم من كل شيء. وهذا شيء ايجابي بدون شك ويعني ان الانسداد التاريخي فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي ليس امرا محتوما ولا أبديا.

فهناك مخرج في نهاية المطاف، او قل هذا ما نأمله ونرجوه.. مهما يكن من أمر فان الطبقة السياسية الفرنسية برمتها وقفت ضد لوبن ولم يدافع عنه الا خوري مسيحي يدعى الأب «لاغيريش الذي صرح قائلا: ان البنك اليهودي الكبير هو الذي أثار كل هذا الحقد على جان ماري لوبن. وهذا البنك هو الذي يتحكم بفرنسا ويمارس عليها ديكتاتوريته منذ خمسة وأربعين عاما..».

ويقال بان لوبن أصبح بعدئذ مهووسا باليهود ويرى مخططاتهم ضده في كل مكان. ولم يعد يستطيع ان ينام الا وهو يفكر فيهم..والدليل على ذلك الحكاية التالية: فقد حاول أحد الاصدقاء المشتركين ان يجمع بين لوبن وشيراك قبل انتخاب هذا الاخير لرئاسة الجمهورية.

قال لشيراك: ان لوبن اصبح ذا شعبية ضخمة وقوة انتخابية لا يستهان بها. واذا كان لا يستطيع ان ينجح في الانتخابات ويصبح رئيسا فانه يستطيع ان يمنع الآخرين من الوصول إلى ذلك. وبالتالي فمن مصلحتك التعامل معه من اجل تحييده على الاقل واتقاء شره. وأقنعه بتنظيم لقاء سري بينه وبين زعيم اليمين المتطرف.

ووافق شيراك من حيث المبدأ ولكنه تراجع في آخر لحظة ورفض رفضا قاطعا ربما خوفا من اللوبي العتيد. وعندئذ جن جنون لوبن وقال للصديق المشترك: لماذا يكرهني شيراك إلى مثل هذا الحد؟ لقد كتبت إلى جيسكار وميتران وريمون بار فردوا جميعهم علي ما عداه. بالله عليك قل لي: أليست له عشيقة يهودية؟ فأجابه الآخر بالنفي القاطع. ومعلوم ان عشيقات شيراك كثيرات يصعب حصرهن..

وفي أثناء الانتخابات الرئاسية الماضية التي أوصلت ساركوزي إلى قصر الاليزيه كادت ان تنشب المعركة من جديد بين الطرفين. فقد سأله أحد الصحفيين وربما لكي يوقعه: ما رأيك بالمحرقة؟ فقال: هذا سؤال لا أجيب عنه أبدا. فسأله ولماذا؟ فقال لان هذا موضوع يخرج عن نطاق حرية التعبير.وقد كلفني غاليا في الماضي وبالتالي فلن أقع في الفخ مرة أخرى. هذا موضوع يمنع فيه النقاش منعا باتا ولا تستطيع ان تقول عنه الا الاطروحة الرسمية السائدة. وهي أطروحة مقدسة لا تناقش ولا تمس.. وبالتالي فلماذا أتحدث عنه؟ وماذا سأقول أصلا؟

على الرغم من ذلك فان المراقبين يعتقدون بان لوبن خفف قليلا من غلوائه وتطرفه العنصري الذي رافقه في بداية صعوده السياسي قبل عشرين سنة تقريبا. ولم يعد يكره اليهود والعرب والسود بنفس الدرجة. بل وأصبح يقبل بوجودهم في المجتمع الفرنسي وان على مضض.

كاتب سوري باريس