اللعب على الكلمات كار إسرائيلي عتيق. هو إحدى وسائلها لتفريغ التفاوض والهروب من الالتزامات. كلاهما مهنة تتقنها تل أبيب، لشراء الوقت وتكريس الأمر الواقع، الذي أقامه احتلالها على الأرض. لعبة تدويخ بامتياز؛ لطالما مارستها، أو بالأحرى فرضتها؛ وبنجاح. أو على الأقل من دون كلفة.
اسطوانة تكررت في لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع أولمرت، أول أمس الأربعاء؛ في القدس. كوكتيل المفردات والمصطلحات التي عكست الموقف الإسرائيلي يقدم خلطة، لا تسمن ولا تغني من جوع، هي في نهاية المطاف لا تعني أي شيء ملموس، بل هي تشي بأن إسرائيل ليست جادة في السعي إلى سلام معقول ومقبول؛ مع الفلسطينيين ناهيك مع بقية العرب، فبقدر ما هي متطلبات مثل هذا السلام واضحة، بقدر ما تل أبيب تراوغ وتدور حول الموضوع وتحاول الابتعاد عن لبه. وهي بذلك لا تخرج عن المألوف والمعروف.
طرح الرئيس عباس، عشية اللقاء، أن يصدر عن الاجتماع «إعلان مشترك»، يكون المقدمة لمؤتمر السلام، أواسط الشهر القادم، في ضواحي واشنطن. كما دعا إلى وجوب عقد هذا المؤتمر وفق «أجندة واضحة» تنطلق على أساسها مفاوضات الحل النهائي التي ينبغي إنجازها في غضون ستة أشهر.
جرياً على المعتاد، قام الطرف الإسرائيلي بتقديم مقترحات، لا وظيفة لها سوى نسف الطرح الفلسطيني؛ والتأكيد مرة أخرى بأن اللقاءات والمؤتمرات والمفاوضات ليست في قاموس إسرائيل، وسيلة بل غاية. بدلاً من «الإعلان المشترك» اقترح أولمرت تشكيل «فريق مشترك»، فلسطيني ـ إسرائيلي، يعمل ابتداء من الأسبوع القادم من أجل صياغة «وثيقة مشتركة» (!) لعرضها على مؤتمر نوفمبر.
أو وثيقة «فضفاضة» تتضمن «مبادئ عامة» للحل تنطلق على أساسها المفاوضات النهائية. وسارع مشترطاً صرف النظر عن السقف الزمني؛ بزعم أن الفترة الفاصلة لا تكفي للتوصل إلى اتفاق حوله.
وهنا بيت القصيد بالنسبة للطرف الإسرائيلي: التهرب من الالتزام بوقت محدد. في السابق اعتاد على نسف كل المواعيد والتملص من كافة الاستحقاقات؛ بدءاً من أوسلو وانتهاء بخريطة الطريق، مروراً بواي بلانتايشن.
ناهيك عن القمم الثلاثية والرباعية في شرم الشيخ وغيرها، والآن يلجأ إلى التعمية بالتسميات، التي تدور حول العموميات الخاوية؛ كي تصل تل أبيب إلى مؤتمر نوفمبر وتخرج منه ليس بأكثر من «إعلان مصالح»؛ وإعلانات كثيرة تتحدث عنها باستثناء الإعلان عن الالتزام بالخطوط العريضة الأساسية للسلام وشروطه وبالجدول الزمني لتحقيقه. كل ما يخرج عن هذا الالتزام يبقى في حدود اللغو. وحتى هذا هو بحاجة إلى ضمانة أميركية صريحة تكفل تنفيذه.
نكوث إسرائيل في السابق ـ أوسلو ـ يفرض ذلك، الوزيرة رايس قادمة الأسبوع المقبل إلى المنطقة «لمساعدة الجانبين» في جسر الفجوة الكبيرة بينهما؛ وعلى صعيد القضايا الرئيسية النهائية مثل هذه المهمة لا تكفي.
والوساطة لم ولن تساعد طالما تركت إسرائيل طليقة في ممارسة لعبة التحايل وفرض الشروط؛ من دون الاستجابة لمتطلبات التسوية السلمية، التجارب الماضية تقول ذلك. تكرارها ليس فقط يجري بل يصب في نسف البقية الباقية من الصدقية لعملية السلام. إذا كان بقي منها شيء. عودة إسرائيل إلى هذه الاسطوانة المشروخة لن تأتي بالسلام بقدر ما تبعده.
