في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الانتحارية، على مدينتي «نيويورك» و«واشنطن»، القريبة الشبه مما جرى في «بيرل هاربرد» على الطريقة اليابانية ومع الذكرى الستين للهجمات الأميركية الرهيبة بالقنابل الذرية على مدينتي «هيروشيما» و«ناجازاكي» في الحرب العالمية الثانية.
ووسط دخان الحريق الكثيف وغبار الانهيار الرهيب لبرجي مركز التجارة العالمية الذي يمثل رمز القوة الاقتصادية الأميركية في «نيويورك»، ولمبنى «البنتاجون» رمز القوة العسكرية الأميركية في واشنطن، ووسط طوفان من الإدانات العربية والإسلامية والعالمية، وفى جو من الأسى الرسمي العميق والتعاطف الشعبي الوثيق مع أسر الضحايا الأبرياء ومع الشعب الأميركي الذي لا ذنب له فيما ترتكبه السياسة الأميركية من أخطاء ومظالم على حساب حقوق الشعوب.
ومع تناقض السيناريوهات التي راجت، وتباين الاحتمالات التي شاعت في أجهزة الإعلام الأميركية والأوروبية والعالمية بسب غياب إعلان أية جهة بالمسؤولية عن هذه الهجمات، حددت الإدارة الأميركية أفغانستان هدفاً لضربتها الانتقامية القادمة، فيما بدا للكثيرين من المراقبين مع عدم توفر أدلة الإدانة القاطعة في حينه أن أميركا اختارت أضعف دولة إسلامية وأفقر شعب في العالم لاستعادة هيبتها الضائعة.
هددت أميركا بغزو أفغانستان لإسقاط حكومة طالبان الأفغانية لاعتقال أو قتل «الملا عمر» ما لم تسلم على الفور زعيم تنظيم القاعدة «أسامة بن لادن لواشنطن»، لكن رد «الملا عمر» كان الرفض القاطع لتسليم «بن لادن» ما لم تسلم الحكومة الأميركية من الأدلة ما يثبت تورطه في تلك الاعتداءات، فأعلنت واشنطن قرارها بالهجوم متوعدة بالقضاء على تنظيمي القاعدة وطالبان واعتقال بن لادن والملا عمر، كبداية لحرب عالمية للقضاء على الإرهاب.
ويبقى السؤال هو.. هل نجحت أكبر قوة عسكرية على وجه الأرض، وهل نجحت قوات حلف الأطلنطي المتعددة الجنسيات من القضاء بالقوة على الإرهاب ومن تحطيم تنظيم «القاعدة» وسحق حركة «طالبان»..
وهل نجحت سياسة القوة العسكرية في أفغانستان ومن بعدها في العراق في القضاء على الإرهاب وجعل العالم وأميركا أكثر أمنا؟
سؤال ظل يطرح نفسه على مدى السنوات الماضية، والآن وبعد أكثر من خمس سنوات دامية من الغزو الأميركي لأفغانستان نقطة البداية للحرب على الإرهاب، وبعد الفشل المتوالي والمعترف به لقوات حلف «الناتو» في تحقيق أهدافها بل مع إدراكها بأن النصر بات مستحيلاً، بعدما لم تعد تسيطر سوى على العاصمة «كابول».
وأدركت عن يقين أن القوة العسكرية وحدها ليست هي الحل للخروج من ورطتها وللتقليل من خسائرها المتصاعدة بسبب ضربات قوات طالبان ولاحتواء تصاعد الإرهاب، لكن الرئيس الأفغاني «حامد كرزاي» الذي أدرك هو الآخر أن الاستناد على قوات أجنبية مهما عظمت لحماية حكمه ضد إرادة شعبه الرافض للاحتلال، لن تكون بمقدورها حمايته ولا حتى حماية نفسها من شعبه، دعا أخيراً حركة «طالبان» للتفاوض بل والشراكة في الحكم بعد أن كانت واشنطن وكابول ترفضان مجرد الحديث عن حلول سياسية أو فكرة التفاوض مع «الإرهابيين».
وأعلن كرزاي استعداده للتحدث مع زعيم طالبان الملا محمد عمر ورئيس الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار بهدف إحلال السلام في أفغانستان، وقال بعد الهجوم التفجيري في قلب العاصمة الأفغانية كابول مما أسفر عن مقتل وإصابة نحو 60 جندياً.
وبعد عودته من واشنطن: «نرغب في إجراء محادثات مع طالبان لأنهم أفغان وأبناء هذا الوطن، وأضاف إنه بحث هذا الموضوع مع الرئيس الأميركي بوش، والأمين العام للأمم المتحدة»، لكن الملا عمر رفض دعوة كرزاى التي جاءت على ما يبدو متأخرة، وأكدت حركة طالبان بأنها لن تتفاوض «أبداً» مع السلطات الأفغانية قبل انسحاب كافة القوات الأجنبية عن أفغانستان حتى ولو تخلى كرزاي عن الرئاسة» !!.
نحن نتمنى ألا يكون الأوان قد فات على الذين لم يستوعبوا مبكرا دروس التاريخ بأن القوة العسكرية مهما بلغ جبروتها لا يمكنها أبداً قهر إرادة الشعوب مهما طال زمن الاحتلال.