في العقد الأخير من القرن الماضي استخدمت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء المزدوج ضد إيران والعراق ولم تنج هذه السياسة لأسباب عديدة منها عدم توفر المعرفة الكافية لدى المسؤولين الأميركيين بمنطقة الشرق الأوسط.

وهي تحاول منذ مدة إحياء هذه السياسة التي لم تنجح في الماضي من خلال تطبيقها ضد إيران وسوريا بعد أن وصلت الإدارة الأميركية الحالية إلى قناعة راسخة مفادها أن هاتين الدولتين هما المسؤولتان عن تدهور الأوضاع السياسية والأمنية في العراق وأن مثل هذا الأمر سيؤدي حتماً في نهاية المطاف إلى فشل السياسة الأميركية في العراق وهذا لم يعد خافياً على أحد على أية حال.

من هنا ارتأت إدارة الرئيس بوش أن العلاقات الإيرانية - السورية المتينة، وهي علاقات ذات طبيعة استراتيجية، لا تخدم السياسة الأميركية في المنطقة وأن اللعب على هذه العلاقات وضربها عن طريق تركيز الأضواء على الاختلافات في الرؤى والمصالح الإيرانية والسورية في المنطقة بشكل عام .

وفي العراق بشكل خاص أصبح أمراً ضرورياً وحيوياً للساسة الأميركان الذين يتخبطون بسبب الفشل السياسي الذي منيت به واشنطن في العراق ولبنان ولم يبق لديها سوى أن تنجح في ضرب العلاقات العراقية الداخلية من جهة وهذا ما تفعله منذ وقت طويل، وضرب العلاقات الإيرانية - السورية من جهة أخرى، الأمر الذي سيسهل لها خروجاً عسكرياً مشرفاً من العراق.

على هذا الأساس وافقت الإدارة الأميركية في مارس الماضي أن تدخل مفاوضات مع إيران وسوريا بعد تردد وتناقض كبيرين خوفاً من أن يفسر هذا الأمر وكأنه هزيمة للخط الأميركي المناوئ لهما من ناحية، أو أنه رجوع إلى توصيات لجنة بيكر - هاملتون التي سارعت إدارة الرئيس بوش إلى رفضها تقريباً.

ولكن الإدارة الأميركية بدأت تتيقن أنها غير قادرة وحدها من إيجاد حل لمشكلة العراق المعقدة ولذلك قبلت أساساً الحوار مع إيران وسورياً وعقدت من أجل ذلك عدة لقاءات مع الجانب الإيراني بعد أن أعطت إشارات واضحة مفادها أن هذه اللقاءات مخصصة للمسألة العراقية دون غيرها، وهذا في حد ذاته يدخل في إطار المواقف التفاوضية أكثر من كونه موقفاً سياسياً وستجد الإدارة نفسها في نهاية المطاف مضطرة للتفاوض مع الأطراف الإقليمية لا سيما مع إيران وسوريا حول قضايا تتعلق بمصالح تلك الدول وليس فقط المصالح الأميركية.

وهذا الأمر يوضح لماذا رأت كل من طهران ودمشق بأن القرار الأميركي بالتفاوض معهما على أنه انتصار لهما وأن هذا الانتصار السياسي لا بد من أن يستثمر بشكل يعود بالمنفعة على كلا الطرفين. في الوقت نفسه يدرك الطرفان الإيراني والسوري أن وجودهما في سلة واحدة من وجهة النظر الأميركية يمثل فقط جزءاً من حسابات التحالف والعداء لواشنطن.

ولكن كلا الطرفين يدرك أيضاً أن لكل منهما ملفات خاصة مع واشنطن وهذا ستطلب من طهران ودمشق تنسيقاً مستمراً حتى لا تنجح واشنطن من فك الارتباط بين الطرفين ضمن الرؤية الأميركية التي تندرج ضمن سياسة الاحتواء المزدوج لكلا البلدين.

لذلك السؤال المهم الذي يطرح نفسه في المرحلة القادمة هو ما الذي تأمل أن تحققه كل من دمشق وطهران وواشنطن من الاجتماعات التي جرت على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة؟

بالنسبة لواشنطن فهي تأمل أن توفق دمشق تدفق المقاتلين المساندين للمقاومة إلى العراق عبر أراضيها ووقف دعم المقاومة إعلامياً وسياسياً وعسكرياً بالرغم من ان سوريا أكدت في أكثر من مناسبة أنها لا تستطيع أن تضبط حدودها الطويلة مع العراق وأنها عرضت عملاً مشتركاً مع العراق وواشنطن لهذا الغرض.

في الوقت نفسه أعلنت سوريا بشكل مستمر أن المقاومة العراقية مشروعة وأنها تساندها سياسياً وإعلامياً فقط، وهو الأمر الذي لا تستطيع واشنطن أن تتحمله بسبب ورطتها الكبيرة في العراق وفشل كل الخطط الأمنية التي أعلنتها الإدارة الأميركية والحكومة العراقية منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ولكن هل يمكن لدمشق التي أعلنت أن جميع الخطط الأمنية في العراق ستفشل طالما بقي الاحتلال الأميركي مستمراً وأن المقاومة العراقية لن تتوقف في ظل وجود الاحتلال الأميركي. إلا أن دمشق أعلنت استعدادها للتعاون مع الحكومة العراقية في المجال الأمني شرط أن تعلن واشنطن جدولاً زمنياً للانسحاب التدريجي للقوات الأميركية من العراق.

ولكن دمشق التي تدعم المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين من منطلق إيمانها بحق الشعوب بمقاومة الاحتلال الأجنبي ترى أيضاً أن المقاومة هي ورقة سياسية يجب أن تفرط بها دون أن تحصل على عدد من الحوافز التي تراها هامة واستراتيجية.

فسوريا لا تزال تعاني من استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضيها في هضبة الجولان وترفض إسرائيل من جهتها استئناف عملية السلام من دون شرط أو قيد، كما أنها ترى في قضية اغتيال الحريري استغلالاً سياسياً لممارسة الضغط عليها من أجل فك الارتباط مع لبنان وعزل الطرفين وضربهما كل على حدة لا سيما وأن دمشق ترى في لبنان خاصرتها الأمنية وهي لا تستطيع أن تفرط بالورقة اللبنانية قبل أن تتوصل إلى سلام مع إسرائيل يعيد لها حقوقها الوطنية.

أما بالنسبة لإيران فواشنطن تريد منها وقف الإمدادات العسكرية واللوجستية لبعض الأطراف العراقية التي تتهمها الإدارة الأميركية بأنها تقوم بتفجيرات فتاكة ضد الجنود الأميركيين وأن تسهم إيران في تهدئة الساحة العراقية حتى يتسنى لواشنطن أن تدرس خياراتها بشكل مريح بعيداً عن الضغوط لا سيما وأن إيران متهمة من قبل إدارة بوش أنها هي التي تقف وراء الفتنة الطائفية في العراق.

ولكن الأمر بالنسبة لإيران وعلاقاتها مع واشنطن أكثر تعقيداً وسخونة وخطورة مما هي عليه العلاقات السورية - الأميركية تجاه الملف العراقي. فالعراق السني سابقاً شكل خطراً كبيراً على الأمن والمصالح الإيرانية وقد عانى الشعب الإيراني حرباً دامت ثماني سنوات أثناء نظام الرئيس الراحل صدام حسين. فهل تخطت إيران هذه التجربة المريرة؟

كما أن إيران وهي دولة إقليمية كبرى في المنطقة لن تقبل أن يستمر الأميركيون بالتحكم في السياسة الأمنية والاقتصادية للمنطقة دون أن تلعب دوراً متميزاً باعتبارها الأكبر في المنطقة وأنها دولة نفطية لا تقل أهميتها الاستراتيجية، إن لم تكن الأهم حسب رؤيتها هي، عن باقي دول المنطقة. بالتالي فهي لن تسمح للأميركيين لأن يشكلوا نظاماً أمنياً إقليمياً ما لم يأخذ هذا النظام الأمني بعين الاعتبار المصالح الأمنية الإيرانية وأن تلعب طهران الدور.

إن الولايات المتحدة وهي أعظم قوة موجودة في هذا العالم وتعتبر من أعظم الإمبراطوريات التي شهدها التاريخ لتميزها بالقدرات العسكرية والاقتصادية والعلمية الهائلة ليست قادرة للأسف أن تتبنى سياسة استراتيجية عقلانية تحمي مصالحها ومصالح الدول الحليفة لها أو حتى الدول التي لا تريد أن تكون على عداء معها.

فواشنطن، وخاصة في ظل هذه الإدارة المتطرفة، تبني سياساتها الكونية بشكل عام وسياسات الشرق الأوسطية بشكل خاص على أساس الغطرسة والعنجهية وتنظر إلى تحقيق مصالحها بإطار ضيق وغير عملي، بل أنها لا ترى في المنطقة إلا دولة واحدة، إسرائيل، تستحق كل هذه التضحيات البشرية والاقتصادية، علماً أن مصالح إسرائيل من المنظور الاستراتيجي في المنطقة تضررت كثيراً في السنوات الأخيرة بسبب هذه السياسة الحمقاء.

إن سياسات الاحتواء التي فشلت في الماضي قدرها أن تفشل في الحاضر والمستقبل لأن منطقة الشرق الأوسط شهدت متغيرات عظيمة نأمل من الإدارة الأميركية القادمة أن تعترف بها وأن تقبلها.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com