تحذير الوزيرة رايس من أن تقسيم العراق «سيكون خطأ حقيقياً»، في محله من حيث المبدأ، لكنه متأخر من حيث التوقيت ومنقوص أو غير مطمئن كفاية، لناحية المضمون. المطلوب كان من إدارة الرئيس بوش، إذا كانت قاطعة في رفضها للتقسيم، أن يأتي ردها مبكراً على قرار مجلس الشيوخ في هذا الخصوص، وليس بعد مرور أكثر من أسبوع على صدوره.
كما كان المفترض أن يأتي الرفض جازماً ومرفقاً بالتزام لمنع تقطيع العراق. ذلك أن الاكتفاء بإعطاء رأي في التقسيم وتصنيفه في خانة «الخطأ»، لا ينم عن موقف صريح حاسم ضده؛ ناهيك عن التعهد بعدم السماح بترجمته على الأرض، المسألة هنا لا تدخل في باب الخطأ والصح، بقدر ما ينبغي أن تدخل في باب الممنوعات.
موضوع التقسيم متداول، بين الهمس والخجل ومنذ احتلال العراق ارتفعت نبرته في الآونة الأخيرة، ثم جاء تصويت مجلس الشيوخ الأميركي بأكثرية كاسحة ليضعه على صفيح ساخن، حتى ولو أن القرار ليس له صفة إلزامية. صاحب المشروع السناتور بايدن والمرشح الديمقراطي للرئاسة، يشرح، في مقالته أمس الأول في واشنطن بوست، أن ما قصده هو فدرلة العراق وليس تقسيمه، وضع فيدرالي ثلاثي، مرتبط بحكومة مركزية في بغداد.
ربما يكون ذلك أو يبدو جذاباً على الورق. لكن على الأرض وفي ظل الأوضاع السائدة المعروفة في العراق؛ يتحول أي مشروع من هذا النوع؛ ليس فقط إلى ترسيخ واقع الحال؛ بل أيضاً ـ وهنا الأخطر ـ إلى تأجيج الصراعات وتكاثرها؛ بل وانفلاتها على مداها، المحاصصة الفيدرالية، غير قادرة على معالجة نزاع يتعدى حدود الحصص. التداخلات الخارجية والداخلية للوضع العراقي تجعله أكثر تعقيداً لتقبل مثل هذه الصيغة، وبالتالي المخاوف التي يطلقها تفوق الضمانات التي يقدمها.
ومن هنا كانت ردود الفعل الرافضة له؛ محلياً وعربياً بشكل خاص، البرلمان العراقي رفض بالإجماع قرار مجلس الشيوخ. وإن كانت هناك أصوات لجهات عراقية قد ارتاحت له، بالتصريح أو بالتلميح. ويعود ذلك لإدراك أن المحاذير ترجح كفتها بقوة؛ للاندفاع في طريق كهذا.
ولا يقتصر الخطر على العراق من اعتماد مثل هذه الوصفة؛ بل يتعداه إلى بقية الساحات الملتهبة في المنطقة. أو المرشحة للالتهاب؛ بحيث يصبح أداة التفكيك المبطن للأوضاع القائمة. ثم إن الفيدرالية ما كانت عبر تاريخها غير صمغ التلزيق لما هو مجزأ والتكامل لما هو مفرق. وليس العكس، ما كانت وصفة الخلاص لتجزئة ما هو موحد؛ ولو كان هذا الموحد مضطراً ومهدداً بالانفراط.
مجلس الشيوخ الأميركي يقدم بتصويته تركيبة تهدف في الأساس إلى تشكيل جسر عبور وخروج من العراق. يبني ذلك على فرضية أنه في غياب حل فيدرالي، لا مجال لتسوية داخلية في العراق، وفي عدم توفر هذا الحل، لا مناص من حلول الفوضى لو غادرت القوات الأميركية الساحة. وكأن الفوضى غير قائمة الآن!
أو كأن الحالة العراقية قابلة، في هذه اللحظة المتفجرة من تاريخها، لأي صيغة من صيغ التوزيع السلطوي؛ مهما كان متوازناً. الخلل المستبد بها لا يعالج بالمزيد من الخلخلة لساحتها. وبالتالي فإن أي توجه تقسيمي، بصرف النظر عن التسمية التي يتلبسها، ليس فقط خطأ، كما تقول الوزيرة رايس؛ بل هو من المحظورات التي ينبغي اجتنابها.
