لعل من استمع إلى الرئيس جورج بوش أمام الجمعية العامة مؤخراً قد استغرب كيف تحسّر هذا الرئيس على حقوق الإنسان وعلى ميثاق الأمم المتحدة، في الوقت الذي لم يخرق أحد من قبله هذين العنوانين بهذا الشكل الذي خرقه هو وإدارته المتصهينة.

هذا الرئيس عرف عنه زلات اللسان والجهل في أمور سياسية وحقوقية كثيرة، لكن هذا الجهل لا يعفيه من مسؤولية أنه خرق حقوق الإنسان بشكل غير مسبوق في العراق على سبيل المثال لا الحصر وخرق ميثاق الأمم المتحدة واستبعد قراراتها تماماً من أجندته السياسية كلما تعلق الأمر بإسرائيل أو بعملية السلام كلها في منطقتنا المضطربة بفعل الاحتلال والسياسة الأميركية الملتوية. ‏

وإذا كانت أخطاء الرئيس بوش كثيرة فإنه لا شك في أن من أفظعها وقوفه الأعمى خلف إسرائيل وتأييده لها في كل شيء وتحقيق مآربها المتناقضة أساساً مع مصالح الولايات المتحدة الحقيقية في المنطقة وعلى حساب العلاقات الأميركية الطبيعية مع الدول العربية كافة. ‏

ومن هذا المنطلق يبدو الموقف العربي الحذر من الطروحات الأميركية حول السلام الموعود ومؤتمر الخريف المقبل، منطقياً لأنه لا دلائل حتى الآن تشير إلى تغير ما في عقلية السياسة الأميركية تجاه المنطقة وبالأخص تجاه عملية السلام الشامل. ‏

وعلى هذا الأساس أكدت سورية في غير مناسبة عدم جدية الموقف الأميركي وخاصة أن إدارة بوش تعمل الآن في الوقت المستقطع ولم تستغل طوال السنوات السبع أياً من الظروف المناسبة للتحرك ولم تنظر إلى النتائج التي خلص إليها موفدون أميركيون إلى المنطقة وأكدوا فيها أن مشكلاتها لا تحل إلا بعملية سلام عادل وشامل ينهي الاحتلال الإسرائيلي الذي يبقى أساس المشكلة. ‏

ومن هنا يمكن القول: إن من يدعي التحسر على ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان يفترض فيه أن يكون قدوة في خدمة هذين العاملين لا أن يكون أول من داسهما بأقدامه. ‏

وتبقى روح ميثاق الأمم المتحدة وقوانين حقوق الإنسان منطبقة تماماً على منطقتنا التي عانت الظلم الأميركي والسياسة الأميركية المخيبة، وإذا كان الرئيس بوش جاداً هذه المرة في غيرته على الميثاق والإنسان فإن إمكانية الانطلاق إلى عملية السلام الحقيقية من أرضية ثابتة، هي قرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية للسلام وعودة الأراضي العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ‏ وسورية والعرب جاهزون لذلك. ‏