افتتحت في 18 من سبتمبر المنصرم اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية ال62، وتميزت هذه الدورة بحضور لافت على أعلى المستويات السياسية للدول الأعضاء ال192، حيث شارك فيها 76 زعيم دولة و32 رئيس حكومة و14 نائب رئيس دولة.
هذه المشاركة المكثفة لرؤساء الدول والحكومات، على اختلاف مستوياتهم وتباين أوزانهم السياسية على الساحة الدولية، توحي بان الأمر بالغ الأهمية والخطورة وان هذه الدورة ستكون فارقة في تاريخ هذه المنظمة التي تجاوزت سن الكهولة وأصابها الكبر والترهل، وشيء غير قليل من الخرف وربما فقدان الذاكرة أيضا!
وحتى لا يبدو الأمر مبالغة أو تجنياً على هذا «البرلمان الدولي» المفترض، دعونا نلقي نظرة سريعة على جدول أعمال هذه الدورة والبنود المعروضة فيه للبحث والمناقشة. وبما أن العناوين الرئيسية لجدول الأعمال تتكرر هي ذاتها في كل دورة، يكفي أن ننظر في بنود العنوان الأول المتعلق بموضوع «السلم والأمن» الدوليين.
في هذه البنود نجد أن «منع نشوب الصراعات المسلحة» يحتل مرتبة متقدمة على جدول الأعمال، بينما الواقع الدولي يظهر أن هذه النزاعات في تزايد مستر وتنتشر يوما بعد يوم، دون أن نرى أثرا واضحا للجمعية العامة وللأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة في منع هذه النزاعات قبل حدوثها أو معالجة أسبابها أو حتى التخفيف من حدتها، طوال ستة عقود كاملة. ويكفي مثالا على ذلك بقاء بندين آخرين على جدول الأعمال كما كانا منذ الدورة الثالثة عام 1947، وهما «الحالة في الشرق الأوسط» و«قضية فلسطين»!
والأكثر طرافة وسخرية، في الوقت ذاته، هو البند الثالث والعشرون الذي يتناول حرفيا «العدوان الإسرائيلي المسلح على المنشآت النووية العراقية وآثاره الخطيرة على النظام الدولي الثابت فيما يتعلق باستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية، وعدم انتشار الأسلحة النووية، والسلام والأمن الدوليين»، وهو العدوان الذي وقع منذ ستة وعشرين عاما وقد حصل بعده ما حصل وأصبح العراق كله ضحية عدوان واحتلال فاقا قسوة ودمارا كل ما سبقهما، كما هو الحال بالنسبة للبند التالي حول «آثار احتلال العراق للكويت وعدوانه عليها»، بعد خراب مالطا والبصرة وكل المنطقة!
ولا يقل سخرية عن البندين السابقين أن يضم جدول أعمال هذه الدورة، كسابقاتها، «إعلان مؤتمر رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الأفريقية بشأن الهجوم العسكري الجوي والبحري على الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية الذي قامت به حكومة الولايات المتحدة آنذاك في أبريل 1986»، بعد عقد كامل من دفن المنظمة الإفريقية وقيام «الاتحاد الإفريقي» على أنقاضها، بميثاق مختلف وهيكلية جديدة، وبعد أن أصبحت العلاقات الليبية الأميركية «سمن على عسل».
قد يكون من المفيد، كما يقول علماء النفس، أن ينفس الإنسان عن مشاعره المكبوتة قبل أن تنفجر بداخله، ولو بالصراخ والعويل حيث لا احد يسمعه أو يهتم لما يقول أو يفعل، وربما تكون الجمعية العامة نجحت إلى حد ما في أن تكون بمثابة «زاوية الخطباء» (Speakers Corner) في حديقة «هايد بارك» اللندنية الشهيرة، حيث يجتمع المتكلمون كل سبت ليقول من يشاء ما يشاء بكل حرية ولكن دون فائدة.
فسلطة الجمعية العامة، حسب ميثاق الأمم المتحدة، تقتصر على إصدار توصيات غير ملزمة قانونيا للدول الأعضاء، وكونها «تمثل السلطة الأدبية للمجتمع الدولي» لم يعد ذا معنى حقيقي بعد أن أصبح هذا المجتمع «قليل الأدب» فاقد الحياء، ومحكوما بسلطة أحادية دكتاتورية عمياء تتصرف بغطرسة ورعونة لا ينقصها الغباء في معظم الأحيان!
فهل هناك ضرورة لكل هذا اللغط الدولي؟ وما هي الجدوى المنتظرة من وراء بذل كل هذا الوقت والجهد والأموال الطائلة التي تصرف على استضافة الوفود المشاركة وتأمين حمايتها وتنقلاتها و«مصاريف جيوب» أعضائها وباقي مستلزماتهم ورغباتهم؟
وماذا يمكن أن نتوقع من توصيات عامة غير ملزمة تصدر من خلال جدول أعمال كالذي رأينا بعض نماذجه؟ وهل تستحق مثل هذه التوصيات كل ما تستهلكه من أطنان الورق وبراميل الحبر التي تسكب جزافا على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها، دون فائدة أو مردود يعود على تلك الشعوب؟
ربما يعتقد البعض أن الأمم المتحدة «تمثل الحد الأدنى من تعددية وديمقراطية صنع القرار الدولي المتعلق بمصير البشرية»، وقد يكون لذلك سند ما في مراحل سابقة من تاريخ هذه المنظمة، حين كان النظام الدولي برأسين يتفقان أحيانا وتتعارض مصالحهما في أغلب الأحيان، ما يفتح نافذة ضيقة للمناورة أمام بعض الدول أو المجموعات الدولية الأخرى، كما كان الحال «أيام زمان» بالنسبة لمجموعة دول عدم الانحياز، لكن الواقع الدولي اليوم مختلف، وبوادر تعافيه أو تغيره لا تزال غيمة في الأفق البعيد، ولا أحد يدري بالضبط ماذا تحمل أو متى ستمطر!