السياسي العراقي حازم اليوسفي وجه معروف جيدا في مصر لكل مهتم بالملف العراقي وبصفة أخص بالشأن الكردي فهو مسئول مكتب القاهرة للاتحاد الوطني الكردستاني، وهو مثقف من طراز رفيع فضلا عن تميز علاقته بالرئيس العراقي جلال الطالباني والبعض يصفه بأنه أحد أهم مستشاري الرئيس العراقي.
وقد أتيح لي أن أتحاور معه مرات عديدة في مناسبات مختلفة لكنني مؤخرا تحاورت معه حوارا كان حافلا بالمعلومات التي تهم القارئ. ومما جعله أكثر صراحة أننا لم نتحاور أمام ميكروفون ندوة أو كاميرا وسيلة إعلامية، وبطبيعة الحال ليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما يقال ينقل، لكن الأشياء التي يمكن نقلها عنه كثيرة، وهي حق للقارئ.
كان للراحل الشيخ مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بلبنان زيارة سنوية لمصر وفي الزيارتين الأخيرتين أجريت معه حوارا في كل منهما، وفي المرتين كان الرجل رحمه الله يتحدث أمام الكاسيت باسترسال ثم ينبهني إلى ما لا يحب نشره وهو غالبا يكون معلومة لا يرى أن من المفيد إعلانها في ذلك التوقيت.
وجمعني بالمفكر القومي الراحل الدكتور عصمت سيف الدولة مقابلة على غير ترتيب في مكتبه وكان يفترض أن تنتهي خلال دقائق فإذا بالحوار بيننا يمتد لأكثر من ثلاث ساعات تطرقنا فيها إلى موضوعات شتى منها «البارسيكولوجي» الذي ألفت عنه أكثر من كتاب فإذا بالرجل يبدي اهتماما ويطلعني على واقعتين شخصيتين من حياته استأذنته في نشرهما فأذن في واحدة ولم يأذن في الأخرى!
وفي حواري مع حازم اليوسفي كشف عن حقائق مهمة في مقدمتها أن «الفيدرالية» التي يحاول البعض تصويرها كما لو كانت لعنة ستأكل الأخضر واليابس في العراق كانت مطلب عدد من فصائل المعارضة قبل أن يكون هناك أي احتمال لعمل عسكري غربي يطيح نظام صدام، وهي بالتالي ليست «أجندة أميركية» مفروضة على العراقيين بالحديد والنار كما يصور كثير من المتباكين على العراق بعد أن تركوه في محنته عقودا ثم فجأة قرروا «إنقاذه».
وحسب قول اليوسفي عن المعارضة: «لقد قدمنا التضحيات الكثيرة في سبيل إقامة نظام ديمقراطي فيدرالي برلماني». وقد لفت نظري صلابته في الدفاع عن شرعية السلطة العراقية التي هي «برغم كل الملاحظات والملابسات تمثل إرادة الشعب العراقي وتمثل على الأقل 70 % منه»، وتأكيده أن قوات التحالف دخلت العراق لتحرير الشعب العراقي من نظام ديكتاتوري مستبد ولم يكونوا - وهذا على الأقل تصور اليوسفي - لم يكونوا قوات احتلال بل جاؤوا العراق لتحريره، لكن بموجب قرار مجلس الأمن أصبحت هذه القوات قوات احتلال.
وعندما سألته عن الشعور العام في العراق قال إن هناك من يعتبرها قوات تحرير. وصاغ عبارة لا تخلو من ذكاء وسجلتها كما قالها ضمن عبارات أخرى لها أهمية خاصة أوردتها في المقال بين قوسين. قال اليوسفي: «أنا شخصيا أقول كنا نراها قوات تحرير لكن مجلس الأمن يراها قوات احتلال، وبالتالي هي قوات أجنبية متعددة الجنسيات موجودة في بلدي وسوف تخرج يوما ما».
وبحكم موقعه كقيادي بالاتحاد الوطني الكردستاني الذي ينتمي إليه الرئيس العراقي جلال الطالباني حاولت الحصول منه على إجابات فاصلة عن أسئلة محيرة تحسم إجابتها «المعلومات»، سألته عن نهب النفط العراقي فأكد أن اتهام الأميركيين بنهب النفط أكذوبة كبيرة. وبالنظر إلى العلاقات التاريخية بين الاتحاد الوطني الكردستاني وإيران كان من الضروري أن أسأله عما إذا كانوا في حزبه يشعرون بورطة بسبب التصعيد بين أميركا وإيران فقال لسنا في ورطة بل المنطقة كلها في ورطة، وهو في تقديري تلخيص دقيق لوضع أكثر دقة وأشد حرجا.
ومن طرائف هذه المكاشفة التي زادتها الطبيعة الشخصية للقاء صراحة أنني سألته عما إذا كان يعتقد أن بعض الأطراف العربية أكثر ما يقلقها وجود عراق ديمقراطي؟
فقال: مرة التقى الرئيس جلال الطالباني بالكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فقال له هيكل: «لا تركز كثيرا على الديمقراطية لأنها غير مقبولة في العالم العربي» لهذا أنا أيضا أقول إن أحد أسباب عدم الاستقرار في العراق خوف أطراف في المنطقة أن نقيم ديمقراطية حقيقية في العراق تنتشر بعد ذلك خارجه. واستتبع هذا سؤالا آخر أكثر صراحة عما إذا كان كسياسي عرف المنفى وكان لسنوات معارضا يعتقد أن عليه مسئولية «أخلاقية» إزاء تحسين الأوضاع الديمقراطية في العالم العربي؟ فقال: بالتأكيد!
وطبعا لم يكن ممكنا أن تفلت من يدي فرصة فتح ملف موقف الأكراد من إسرائيل معه فقال بشكل قاطع ليس هناك علاقات كردية إسرائيلية إطلاقا، ودفعتني الثقافة التآمرية لسؤال افتراضي عما إذا كان الأميركيون قد فرضوا عليهم إعطاء ضمانات معينة بشأن الموقف من إسرائيل قبل إطاحة نظام صدام فأكد أن إسرائيل لم تكن ولا للحظة واحدة جزءا من أجندة إسقاط نظام على الأقل من جانبنا نحن.
ولم تخل نبرة اليوسفي من إحساس بالمرارة بوصفه كرديا ذاق أهله ويلات نظام صدام ولم يجدوا تعاطفا عربيا يذكر مع مأساتهم ثم أصبح الكثير من وسائل الإعلام العربية يكيل لهم الاتهامات الظالمة بعد سقوط نظام صدام.
وهو قال إن المواطن العادي يشعر بمرارة من الأنظمة العربية وبعض الإعلام العربي بسبب موقفه من نظام صدام وموقفهم من العراق بعد سقوط نظامه، وغالبية الشعب العراقي يعتبر أن هذا الموقف كان مبنيا على مصالح مع نظام صدام حسين وكان بعيدا عن استشعار ما يعانيه الشعب العراقي ولذا لم نر الصحافة العربية تتحدث عن ذلك إلا نادرا بل كانوا دائما يمجدون نظام صدام حسين.
وكان الكلام عن التمجيد مناسبة لتذكر «كوبونات النفط» فسألته عنها فأكد أن الوثائق موجودة وأن الكل كان يتصور أنه يحارب نيابة عن العرب وكانوا يمجدون ومعهم الأميركان. والوثائق موجودة وهناك عدد كبير جدا من المثقفين ومنهم إعلاميون وصحافيون ورجال أعمال وحتى أساتذة جامعات ورؤساء أحزاب كانوا يتعاملون مع نظام صدام حسين ويحصلون مقابل ما يقدمونه من خدمات دعائية للنظام على كوبونات نفط. ومثقفو الكوبونات حسب اليوسفي: أردنيون، ومصريون، وفرنسيون، وتونسيون.. ..
وفي تقديري المتواضع فإن أهم ما قاله حازم اليوسفي هو أن العراق غارق في فساد كبير وحسب عبارته: «للأسف الشديد هناك فساد كبير كان يجب ألا يحدث ولكن هذا متوقع في حالات التغيير الجذري كما أنه غير مسكوت عنه فهناك قضاء عادل وهيئة النزاهة، ولكن كان يجب أن نكون أكثر وعيا وكفاءة مما حدث بالفعل». وانتهى «ما يجوز» نشره من الحوار!
كاتب مصري