توسعت ظاهرة الفقر من ظاهرة اجتماعية في المجتمع الواحد إلى ظاهرة عالمية.. تعيشها جميع الدول بدرجات متفاوتة. ففي الكثير من البلدان المتقدمة هناك جماعات محرومة...

كما أن هناك في الكثير من البلدان الغنية جيوبا من الفقر المدقع يعشعش وسط الثراء الفاحش، كما هناك مناطق ريفية وحضرية يعيش فيها السكان في ظل ظروف بالغة القسوة، فمن بين سكان العالم البالغ عددهم 6 مليارات نسمة، يعيش 8, 2 مليار نسمة بأقل من دولارين في اليوم و2 ,1 مليار نسمة بأقل من دولار في اليوم.. (بحسب تقارير الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة والبنك الدولي. يعيشون في 49 دولة في العالم بحسب تقرير صادر من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، لهذه الظاهرة تجليات مرعبة في مجالات الصحة ومستوى المعيشة والإسكان والبيئة والتعليم والمرافق والخدمات.

لقد فتكت آفة الفقر بحوالي نصف سكان الكوكب شماله وجنوبه شرقه وغربه إذ لا تكاد تخلو دولة من الفقراء ولو اختلفت الدرجات والمؤشرات باختلاف الدول والأقاليم.. مما استنفر العديد من الدول والمنظمات لإبداع المبادرات والبرامج لمواجهة هذه الآفة منها ما حقق إنجازات وأهدافاً مهمة على طريق تقليص الفقر.. ومنها لا يزال متعثراً.

لعل من أبرز هذه المبادرات تأتي مبادرة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا.. ففي البرازيل يشكل الفقر واختلال توزيع الدخل التحدي الأكبر (إذ يعيش 9, 53 مليون برازيلي من أصل 184 مليون بأقل من 50 دولار شهرياً)..

انطوت تلك المبادرة على جملة مترابطة من البرامج والمشاريع كان منها: «المنحة العائلية لمقاومة المجاعة» التي وفرت منحة شهرية للعائلة تتراوح ما بين (50 إلى 95 ريالاً برازيلياً ) (32 يورو).. استفاد منها (7,6 ملايين) عائلة تمثل أكثر من نصف العائلات التي تعيش تحت خط الفقر. وربما وصل هذا العدد إلى نحو 2,11 مليون عائلة (أي حوالي 45 مليون برازيلي)... بنهاية عام (2006) بحسب الخطة.

ولعل من إيجابيات هذه المنحة أنها اشترطت على العائلات المستفيدة الالتزام بالتعليم الإلزامي والصحة العامة لأبنائها.

كما حقق برنامج «الإصلاح الزراعي» البرازيلي إنجازاً مهماً.. لقد بلغت العائلات التي استفادت من عملية توزيع الأراضي (555 ,117عائلة) في الفترة (2003 ـ 2004).. ومع نهاية (2005) غطى البرنامج (000 ,115) عائلة إضافية..وكانت الحكومة قد التزمت بتوزيع (430000) قطعة أرض حتى نهاية 2006..

وفي ذات السياق تم تشجيع «الزراعة العائلية» من خلال توفير قروض لصغار المزارعين.. فبلغ عدد المستفيدين في سنة 2003 المليون.. وفي عام 2005 تضاعفت القروض ثلاث مرات ووصلت إلى سبعة مليارات ريال (3 ,2 بليون يورو) واستفاد منها 1 ,6 مليون عائلة.

أما على مستوى مكافحة البطالة في البرازيل فقد سمح الانتعاش الاقتصادي بخلق مليوني فرصة عمل.. فهبط معدل البطالة من 2 ,12% في 2004 إلى 2, 10% 2005.. وارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 300 ريال (100 يورو).. وارتفعت بذلك رواتب التقاعد حين أصبح، 42 مليون برازيلي يتقاضون راتباً تقاعدياً يعادل أجرين أدنيين.

وفي إطار برنامج استئصال عمل الأطفال (هناك 3 ملايين طفل ومراهق دون سن 16 سنة يعملون) الذي اشتمل على تقديم منحة للعائلة قيمتها (200 ريال شهرياً/ أي 66 يورو) تم تحرير 4,2 مليون طفل من العمل. (دراسة توفيق المديني المنشورة في صحيفة الحياة 31/10/2006).

وخلال العقد الماضي شهدت الصين وعدد من دول شرق آسيا انخفاضاً ملموساً في معدلات الفقر.. ففي الصين انخفض عدد الأشخاص الذين يعيشون على دخل منخفض من 1,1 مليار شخص إلى ما يقرب من 900 مليون. (خوان سومافيا المدير العام لمنظمة العمل الدولية/ مؤتمر العمل الدولي؛ يونيو 2003).

وفي سياق النجاح في مواجهة آفة الفقر تبرز للعيان التجربة الماليزية.. من خلال استراتيجية التوظيف الكامل للقوى العاملة والخريجين الذين يقدر عددهم بمائة ألف خريج سنوياً.. حققت التجربة الماليزية نجاحاً ملموساً في محاربة الفقر إذ انخفضت نسبة فقر الملايويين من 50% عقب استقلال البلاد عام 1957 إلى حوالي 9% في الوقت الراهن...أما نسبة الفقر عند الصينيين الملايويين فقد تقلصت من 30% إلى 1%. أشاد بهذه النتائج المؤتمر العالمي الذي انعقد في جزيرة لنكاوي في أغسطس /2007) واعتبرها تشكل تحولاً جذرياً نقل ماليزيا من دولة محدودة الإمكانيات إلى دولة متقدمة، خلال خمسة عقود فقط.

ولعل من المبادرات اللافتة في مكافحة الفقر كانت مبادرة «بنك جرامين» (بنك الفقراء) في بنغلادش.. الذي تأسس عام 1976 كأول مصرف في العالم يمنح قروضا صغيرة للفقراء وخاصة النساء لتمكينهم من إدارة مشروعات أعمال صغيرة دون ضمان.. كان الهدف من إنشاء هذا البنك هو «التوظيف الذاتي للفقراء» (أي مساعدة الفقراء كي ينهضوا بأنفسهم) بتوفير القروض الصغيرة الميسرة للفقراء للبدء بمشروعاتهم الخاصة، اتسعت خدمات البنك اليوم لتصل إلى نحو 1, 6 ملايين مقترض في بنغلادش..

كما تأسست مؤسسة غرامين التابعة للبنك عام 1997 وكونت شبكة عالمية شملت 52 شريكا في 22 دولة قدمت العون لنحو 11 مليونا في آسيا وأفريقيا والأميركيتين والشرق الأوسط.. فضلاً عن أنه أرسى نظام «القروض المتناهية الصغر» الذي اقتبس في أكثر من 100 دولة في العالم.

على أن هناك دولاً عدة لا زالت تتعثر في مكافحة الفقر ولم تحقق إنجازات تذكر على هذا الصعيد ففي جنوب آسيا لا يزال عند حدود (1,1 مليار).. كما تشهد دولاً زيادات ملحوظة في أعداد الفقراء.. فقد جاء في تقرير منظمة العمل الدولية (المقدم لمؤتمر العمل الدولي في جنيف في عام 2003) أن المجموع العالمي للأفراد الذين يعيشون على دولارين أو أقل في اليوم بما معدله 25%، أي ما يقرب من 500 مليون. ففي أميركا اللاتينية والكاريبي ازداد عدد الفقراء (من 121 مليون إلى 132 مليون).. كما يعيش ربع السكان على دولارين أو أقل في اليوم...

وكذلك الحال في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى حيث ارتفع عدد الذين يعيشون عند أو تحت خط الفقر بثلاثة أضعاف ليصل العدد الكلي إلى 97 مليونا. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فلم يختلف الوضع كثيرا حيث إن عدد الفقراء يصل بين 50 إلى 68 مليون شخص.

خلاصة الأمر فإن مشروع «أهداف التنمية حتى عام 2015» في مجال مكافحة الفقر يسعى إلى خفض نسبة الذين يعيشون على أقل من دولار واحد يومياً من 28% عام 1990 إلى النصف بحلول سنة 2015..

ولكن نتائج المسح الذي أجراه صندوق النقد والبنك الدوليين حول تحقيق أهداف التنمية - كما جاءت في تقرير «المراقبة الدولية» ـ تشير إلى أن هذا الهدف لا يزال بعيد المنال.. فمع الارتفاع الفعلي في أعداد الفقراء في العالم فإن الفقر لا يزال يشكل تهديداً كبيراً لحياة ملايين البشر.. ولا يزال يعتبر من أكبر التحديات التنموية. وعليه فإن القضاء على الفقر يبقى من أكبر تحديات التنمية الإنسانية خلال الألفية الثالثة.

ونستذكر في هذا السياق أنه حين وصل «لولا دا سيلفا» إلى قمة السلطة في البرازيل أطلق نداءه المعروف القائل بأن «على السوق أن تفهم أن البرازيليين يحتاجون أن يأكلوا ثلاث مرات يومياً»، ذلك هو التحدي.. فمن حق الفقراء الحصول على حاجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء والمسكن والملبس.. إن استمرار استشراء الفقر بمعدلاته ومستوياته الفاحشة، إنما يمثل في حدة ذاته إدانة أخلاقية للمجتمع الإنساني.

سياسي وبرلماني سابق وخبير قانوني أردني

obeidat@gmail.com