قرار الأسبوع الماضي القاضي بمنع حبس الصحافيين في قضايا لها علاقة بعملهم الصحافي، في دولة الإمارات العربية المتحدة، يفترض أن يفتح الباب ـ من جديد ـ أمام حوارات جادة عن واقع العمل الإعلامي في دول مجلس التعاون عموماً.
يحسب للقيادة السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة أنها اتخذت مثل هذا القرار الذي أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي دعا أيضاً للاستعجال بإصدار قانون جديد للمطبوعات والنشر بالإمارات العربية المتحدة. هنا لا بد من تدشين مرحلة جديدة وجادة من الحوار حول واقع الصحافة ومستقبلها في الخليج.
ثمة أسئلة مهمة لابد من التعامل معها بجدية: هل هناك فهم حقيقي، في دول مجلس التعاون، لأهمية حرية الصحافة واستقلاليتها وقوتها؟ هذا السؤال موجه للقيادات السياسية بالدرجة الأولى وبالتالي سيتبعه سؤال آخر: هل ستتحمل الحكومات نتيجة ما يتيحه المناخ الحر للصحافة من نقد وكتابة جريئة قد تقلق نوم بعض النافذين أو البعض من أولئك الذين تعودوا أن تسير الأمور من دون صداع الإعلام أو إزعاج الأسئلة المشككة أو المستفزة؟
الحقيقة التي لا مناص عن مواجهتها هي أن دول مجلس التعاون الآن أمام حقائق جديدة، لا يمكن تجاوزها، ستفرض على الحكومات في منطقتنا الإسراع في مشاريع التطوير والإصلاح التي تفرضها العولمة اليوم. وكلما تأخرنا في التعامل المباشر مع هذه الحقائق كلما زادت تعقيدات علاقاتنا مع الخارج وتفاقمت مشاكل الداخل مما سيؤثر سلباً على مكانة بلداننا ويؤزم علاقاتها مع الخارج.
واحدة من الخطوات الأساسية في مشروع الإصلاح هو إصلاح أوضاع الصحافة بمنحها مساحة أوسع من الحرية المسؤولة. هذه الحرية تتطلب حماية نظامية لأهل المهنة من أجل عمل صحافي مهني جريء ومتناسق مع الحاجة الآنية لمواكبة عجلة النمو الاقتصادي المتسارعة في المنطقة ولإقناع المستثمر الأجنبي بأن رأسماله ورأسه أيضاً في منطقة آمنة. لكن الأهم من المستثمر الأجنبي.
ومن صورتنا خارج حدودنا، هو أننا، كمجتمع، بأمس الحاجة لصحافة حرة مستقلة ونزيهة ومسؤولة. الصحافة يجب أن تكون عين المواطن التي لا تنام على مواقع القصور أو مواطن الفساد. وحيثما وجدت صحافة مستقلة ونزيهة قل الفساد وزادت بالتالي قوة المجتمع وقوة قيادته. الصحافة الحرة النزيهة ليست عدوة للمجتمع ولا يجب أن ينظر لها كما لو كانت في حالة عداء مع السلطة السياسية. الفاسدون وحدهم هم من يخشى حرية الصحافة ونزاهتها.
ولهذا من المهم جداً تذكير الصحافيين أنفسهم بالحاجة الكبيرة لإدراك مسؤوليتهم المهنية والأخلاقية وفهم واقع الصحافة العربية اليوم وحاجة مجتمعاتهم لصحافة مستقلة ومسؤولة. ولهذا سعدت جداً بما قرأته من مقترحات مهمة قدمتها جمعية الصحافيين الإماراتية لمشروع تعديل قانون المطبوعات والنشر في الإمارات، مقترحات صاغها نخبة من رموز الصحافة في الإمارات.
فعلى سبيل المثال تنص المادة رقم (3) من هذه المقترحات على التالي: «يضمن هذا القانون استقلالية الصحافة استقلالا تاماً وعليه يحظر على أي جهة حكومية فرض رقابة مسبقة أو لاحقة على الصحافة وكذلك يحظر التدخل الحكومي في شؤونها أو كيفية أداء مهامها». قرأت هذا النص عمداً على الصديق محمد يوسف، رئيس جمعية الصحافيين الإماراتية، أثناء حواري معه قبل يومين حينما حل ضيفاً على برنامج «حديث الخليج» الذي أقدمه على قناة الحرة ثم سألت:
هل فعلاً ستترك الأجهزة الحكومية الصحافة أن تؤدي وظيفتها من غير تدخل؟ هناك ما يشبه الإجماع بين أهل المهنة في دولة الإمارات على أن قانون المطبوعات والنشر الجديد سيعطي مساحة أوسع من الحرية للصحافة وسيقدم ضمانات أكبر للصحافي كي يمارس المهنة من دون خوف من سجن أو جلد. يتفق محمد يوسف معي على أن البطء في الموافقة على القانون الجديد يناقض سرعة الإنجاز التي تتميز بها أغلب المشاريع المقامة في دولة الإمارات.
بالتأكيد أن صدور النظام الجديد لن يحل كل مشاكل الصحافة في دولة الإمارات لكنه، ولنكن متفائلين، قد يحرك هذا السكون في واقع الصحافة الخليجية إجمالاً وربما فرض على الآخرين، في المنطقة، البدء في خطوات تطويرية في أداء الصحافة وإصلاح أحوالها. علينا، نحن معشر الإعلاميين، أن ننتبه لمواطن الخلل بيننا ولحقائق التقصير في أدائنا. أكاد أجزم أن بيننا كثيرين لا يدركون مسؤولية المهنة أصلاً ربما لأن الصحافة عندهم ليست سوى «وظيفة» ساقتهم أقدارهم لها.
الواقع أن ندرة فرص التدريب على آلية المهنة ومفاهيمها ومبادئها الأساسية تكاد تكون نادرة في منطقتنا. الأدهى أن ثمة قيادات إعلامية لا تزال تخلط بين «الإعلان» و«الإعلام» وبين «التسويق» و«الصحافة» وبين «النزاهة» المهنية وأساليب الدعاية الممجوجة. ولهذا فرحت جداً أن انتبه الزملاء في جمعية الصحافيين الإماراتية وهم يعدون مقترحات «قانون الصحافة» لأهمية الفصل بين الإعلان والتحرير في الممارسة الصحافية.
المادة رقم (19) من المقترحات تؤكد على الآتي: «يجب على الصحيفة الفصل بصورة كاملة وواضحة لا لبس فيها بين المواد التحريرية والإعلانية مع وضع كلمة إعلان في رأس الصفحة الإعلانية إذا كانت تحوي مواد تحريرية فقط». الحقيقة المؤسفة أن كثيرا من المؤسسات الإعلامية في منطقة الخليج تحديداً غلبت الهاجس التجاري على المهني وبالتالي أصبح هم الربح يطغى على قضايا أخرى مهمة تتعلق بالمنتج الإعلامي وبواقع الصحافي نفسه (تدريبه وتطوير إمكاناته وتحسين أوضاعه).
وحينما يتقاضى بعض رؤساء التحرير نسبة من مداخيل الإعلانات في صحفهم، عياناً بياناً، فكيف نأمل في «مهنية صحافية» تقدم النزاهة المهنية والمسؤولية الصحافية على حسابات الربح والخسارة وعلى المصالح الذاتية الآنية؟
في مثل هذه الحالة، يتحول رئيس التحرير من صحافي إلى تاجر ينتظر حصيلة الإعلانات في آخر كل موسم ويسهر على مصلحة المعلن أولاً ولتذهب «المسؤولية المهنية» في داهية! وحينما يهيمن هم الإعلان على قلب ورأس سعادة رئيس التحرير فلا تستغرب، حينها، أن يتحول طاقم التحرير بأكمله إلى «مندوبي إعلانات» وإلى موظفي علاقات عامة عند الشركات الكبرى وعند من يعلن أكثر.
هذا الحوار المهم حول الصحافة في الإمارات يجب أن يُستثمر إيجابياً لفتح ملفات الصحافة في الخليج لنقد واقعها وللبحث الجاد في تطوير آلياتها وتأصيل دورها ومكانتها.
هل نحن جاهزون؟ أشك في ذلك !
مستشار اعلامي سعودي